تمويل بالملايين، تحول بلا أفق: الإشكالية الهيكلية للذكاء الاصطناعي في القيادة العليا

تمويل بالملايين، تحول بلا أفق: الإشكالية الهيكلية للذكاء الاصطناعي في القيادة العليا

ثمة بند يتكرر في كل الميزانيات المؤسسية تقريباً في الوقت الراهن. يحمل اسماً يبدو كالوعد: الذكاء الاصطناعي. لكن خلف الأرقام الضخمة والإعلانات البراقة، تعاني المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والكبرى على حدٍّ سواء من أزمة حقيقية: التحول الرقمي يُموَّل بسخاء، لكنه لا يُعرَّف بوضوح، ولا يُقاس بدقة.

Valeria CruzValeria Cruz٢٣ يوليو ٢٠٢٦9 دقيقة
مشاركة

أموال بالمليارات، وتحوّل بلا تعريف: الخلل الهيكلي للذكاء الاصطناعي في قمة القيادة

ثمة سطرٌ يتكرر في كل بيانات الميزانيات التجارية تقريباً في هذه الحقبة. يحمل مسمّىً مثل "التحول بالذكاء الاصطناعي"، ويتضمن رقماً بعينه، ويحمل توقيع أحد أعضاء اللجنة التنفيذية. غير أن ما يفتقر إليه، في أغلب الحالات، هو تعريف تشغيلي واضح لما تشتريه تلك الأموال بالضبط.

تتوقع مؤسسة غارتنر أن يبلغ الإنفاق المؤسسي على الذكاء الاصطناعي 2.59 تريليون دولار في عام 2026، أي بزيادة قدرها 47% في سنة واحدة فحسب. وفي الوقت ذاته، تكشف أبحاث شركة IBM أن 29% فقط من المديرين التنفيذيين يستطيعون قياس العائد على هذا الاستثمار بصورة موثوقة. المسافة بين هذين الرقمين ليست مفارقة إحصائية عابرة، بل هي خريطة لخللٍ هيكلي لم تُسمِّه المؤسسات بعد بالاسم الصحيح.

الميزانية موجودة فعلاً. أما التحوّل، بوصفه مفهوماً تشغيلياً، فلا وجود له بعد.

واللافت ليس أن ثمة غموضاً تقنياً يكتنف الذكاء الاصطناعي، فذلك أمر مفهوم في تقنية ناشئة تتطور بسرعة متسارعة. اللافت حقاً هو نمط الحوكمة الذي يترسّخ تحت سطح هذا الغموض: مديرون تنفيذيون يوافقون على استثمارات تاريخية دون أن يكونوا قد أجابوا أولاً عن الأسئلة التي ستحدد ما إذا كانت تلك الاستثمارات ستُنتج شيئاً ذا قيمة. ويجد سوق الحلول التقنية في هذا الفراغ فرصةً مثالية لتقديم التعريفات التي لم يبنِها المشتري من تلقاء نفسه.

القيادة العليا أمسكت بالمقود دون أن تحمل الخريطة

ظلت استراتيجية الذكاء الاصطناعي لسنوات طويلة شأناً خاصاً بأقسام التقنية. وقد تغير ذلك. توثّق أبحاث فوربس أن سلطة القرار في شؤون الذكاء الاصطناعي انتقلت من قسم تقنية المعلومات إلى الإدارة العليا: إذ بات المديرون التنفيذيون العامون والمديرون الماليون ومديرو العمليات هم من يتحكمون في الميزانيات، ويرتبون أولويات المبادرات، ويحددون التوجهات الاستراتيجية.

وبالتوازي مع ذلك، كشفت دراسة حللت أكثر من 2000 مؤسسة واستشهدت بها شبكة CNBC، أن 76% منها باتت تمتلك منصب مدير للذكاء الاصطناعي (CAIO)، مقارنةً بـ26% فحسب في العام السابق. خمسون نقطة مئوية في اثني عشر شهراً. هذه السرعة في استحداث أدوار تنفيذية جديدة لا تدل على نضج هيكلي حقيقي، بل تكشف عن استعجال سياسي. تطالب مجالس الإدارة بأن يتحمل شخصٌ ما المسؤولية عن الذكاء الاصطناعي، فتستجيب المؤسسات بابتكار مناصب قبل أن تصمم ما الذي ستضطلع به هذه المناصب أصلاً.

وثّقت IBM في دراستها العالمية لعام 2026 أن المديرين التنفيذيين يعيدون بنشاط تصميم أدوار لجان الإدارة العليا لاستخلاص ميزة تنافسية من الذكاء الاصطناعي. كما توصي شركة ديلويت، من خلال ذراعها الاستشاري، صراحةً بتخصيص وقت وبرامج لـتدريب لجنة الإدارة ذاتها على الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو ما يعني ضمنياً الاعتراف بأن تلك اللجنة لا تمتلك بعد الكفاءات اللازمة لحوكمة ما تموّله. وكلتا الإشارتين معاً، أي إعادة التصميم المتسارع للأدوار والحاجة المعترف بها لتأهيل صانعي القرار، تُصوّران مؤسسةً ضغطت دواسة التسارع قبل أن تتدرّب على القيادة.

المشكلة ليست في أن المديرين التنفيذيين يفتقرون إلى الذكاء أو حسن النية. بل تكمن في أن بنية اتخاذ القرار لم تُعَد هندستها قبل أن تبدأ الأموال في التدفق. يستطيع مجلس الإدارة إقرار ميزانية في غضون ساعات، بينما يستلزم بناء معيار إنفاقها بشكل رشيد أشهراً من العمل الجاد والصادق على المؤسسة.

والنتيجة المترتبة على هذا التسلسل المقلوب يمكن التنبؤ بها: مشاريع تجريبية مجزأة لا رابط يصلها بأهداف عمل ملموسة، وأدوات متكررة تعالج المشكلة ذاتها بأساليب متعارضة، ومؤشرات نجاح تصيغها الشركات المورِّدة لأن المؤسسة لم تُعرِّفها من قبل. يُصرف المال، ولا يحدث التحوّل.

الهوة التي لا يذكرها أحد في الاجتماع

ثمة بيانات تستحق تأملاً عميقاً ومتواصلاً. نشرت شركة التدريب Multiverse بحثاً حول القوى العاملة الإدارية في المملكة المتحدة خلصت فيه إلى ما يلي: 59% من القادة يعتقدون أن فرقهم تتعاون مع الذكاء الاصطناعي يومياً. في المقابل، يقول 42% فقط من الموظفين إنهم يفعلون ذلك. سبعة عشر نقطة مئوية تفصل بين تصورات الطابق التنفيذي وحقيقة الطابق التشغيلي.

هذه الهوة ليست مجرد مشكلة في التواصل الداخلي. إنها مشكلة في معايرة الاستراتيجية. فإذا كانت القيادة العليا تتخذ قراراتها بشأن وتيرة التبني، وخطط التدريب، والعوائد المتوقعة، استناداً إلى صورة مضخّمة بنحو 40% عن الاستخدام الفعلي، فإن توقعات الإنتاجية التي برّرت الميزانية خاطئة هيكلياً. ليس كذباً أو تضليلاً، بل لأن أحداً لم يُرسِ آلية قياس لما يجري فعلاً في المستويات الوسيطة والتشغيلية.

رصدت شبكة Axios بُعداً آخر لهذا الصدع ذاته: تكشف استطلاعات شركات تستخدم الذكاء الاصطناعي أن نسبة من المديرين التنفيذيين يصفون عملية التطبيق بأنها "تُشقّق المؤسسة". هذا الوصف لا يشير إلى مشكلات تقنية، بل يشير إلى أن الرواية المتعلقة بالتحوّل بُنيت من أعلى إلى أسفل، دون أن تكون المستويات المطلوب منها التنفيذ جزءاً من عملية التصميم.

إن البنية الإنسانية للتغيير، أي من يشارك، ومتى، وبأي معلومات، وبأي قدرة على التأثير في القرارات، هي ما يحدد ما إذا كان التحوّل التقني ينتج قدرةً جديدة أم مجرد احتكاكٍ جديد. وتلك البنية، في معظم الحالات التي ترصدها البيانات، كانت آخر ما يُفكَّر فيه.

قد تمتلك مؤسسةٌ مديراً للذكاء الاصطناعي، وميزانية مُقرَّة، وعرضاً تنفيذياً منيقاً، وتبقى رغم ذلك هشّةً هيكلياً إذا لم يكن هناك تصميم إنساني للتغيير. فالمنصب والميزانية علامات مرئية للعيان، أما الهشاشة فتكمن فيما لا يُرى بعد.

حين يُعرِّف السوق التحوّل الذي عجزت المؤسسة عن تعريفه

ثمة آلية سوقية تعمل في صمت خلف هذه الديناميكية. حين تصل مؤسسة إلى مرحلة تقييم الحلول دون أن تكون قد حدّدت مشكلتها التشغيلية بدقة، يجد الموردون أنفسهم مضطرين إلى سدّ هذا الفراغ بتعريفاتهم الخاصة. ليس دافعهم الخبث، بل لأن شخصاً ما لا بد أن يملأ الفراغ، والمورد يمتلك كل البنية التحتية السردية لفعل ذلك: حالات استخدام جاهزة، ومعايير قياسية، وعروض توضيحية، وروايةٌ عن ماهية التحوّل تُصادف أن منتجه بطلها الرئيسي.

والنتيجة أن المؤسسات تشتري تعريفات مستعارة. والتعريف المستعار ليس استراتيجية؛ إنه قائمة مشتريات كتبها شخص آخر.

هذه الظاهرة ليست جديدة في دورة تبني التقنية. ما يتغير مع الذكاء الاصطناعي التوليدي هو ضخامة ما يُتخذ بشأنه من قرارات. كانت التقنيات السابقة، من منصات البيانات وأتمتة العمليات وبرامج الإدارة، تعيد ترتيب طريقة عمل الناس. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي في نسخه الأكثر طموحاً، فيعيد ترتيب مَن يقوم بالعمل. هذا التمييز ليس بلاغياً؛ إنه يغيّر كلياً نوع التحليل المؤسسي المطلوب قبل رصد رأس المال.

حين تشتري شركة منصة بيانات، يكون السؤال: أي العمليات سيُحسَّن أداؤها؟ أما حين تفوّض عملاً مستقلاً إلى نظام ذكاء اصطناعي، يصبح السؤال: أي عمل لم يعد تقع مسؤوليته على عاتق البشر، وتحت أي شروط، وبأي آليات إشراف، وما العواقب حين يُخفق النظام؟ هذه الأسئلة لا يجيب عنها المورد. وتشير البيانات الراهنة إلى أن أغلب اللجان التنفيذية لا تُجيب عنها هي الأخرى قبل توقيع العقود.

39% فقط من المؤسسات لديها معايير مرجعية للأدوات المبنية على الذكاء الاصطناعي التوليدي التي يستخدمها موظفوها فعلاً، وفقاً لتحليلات حديثة تتعلق بحوكمة الذكاء الاصطناعي. هذا الرقم لا يصف صناعةً في طور بناء أطر حوكمتها. بل يصف صناعةً نشرت التقنية بالفعل ولم تبنِ تلك الأطر بعد. التسلسل مقلوب، والتعرض الناجم عن ذلك، التنظيمي والتشغيلي والسمعي، تعرضٌ حقيقي وإن لم يُفضِ بعد إلى حوادث مرئية.

اختبار النضج الذي لن يُجريه أي مورد

للنمط المستخلص من هذه البيانات مجتمعةً سمةٌ بعينها تستحق التسمية الدقيقة: إنه ليس مشكلة سرعة، بل مشكلة تسلسل. المؤسسات لا تسير بسرعة نحو هدف محدد المعالم، بل تُنفق أموالاً طائلة على شيء لا يزال تعريفه ضبابياً لأن التسلسل كان: الميزانية أولاً، والتعريف في مرحلة لاحقة.

تخلص IBM إلى أن المديرين التنفيذيين يعيدون تصميم أدوار لجان الإدارة لتوليد مزيد من الأثر التجاري من الذكاء الاصطناعي. وتطلب ديلويت من المؤسسات اكتساب فهم حقيقي للأنظمة التنظيمية المرافقة للذكاء الاصطناعي، والاستثمار في تحديث كفاءات القيادة ذاتها. وكلتا التوصيتين تنطلقان من افتراض ضمني مفاده أن ثمة اليوم هوةً بين ما يفهمه القادة وما يقررونه. لا يقولان ذلك بهذه الصياغة تحديداً، لكنه ما تصفه البيانات.

إن النضج الهيكلي لمؤسسة في مواجهة تحوّل تقني لا يُقاس بحجم الميزانية ولا بعنوان المنصب التنفيذي الجديد. يُقاس بجودة الأسئلة التي أجاب عنها القادة قبل رصد رأس المال: أي عمل بعينه يجري إعادة توزيعه، وتحت أي شروط، وبأي آليات إشراف، وبأي تعريف للنجاح لا يتوقف على معيار المورد، وبأي قدرة فعلية على قياس ما يجري في المستويات التشغيلية.

هذه الأسئلة ليست أسئلة تقنية. إنها أسئلة حوكمة مؤسسية. وحقيقة أن 71% من المؤسسات لا تستطيع قياس العائد على استثمارها في الذكاء الاصطناعي توحي بأن الغالبية وصلت إلى مرحلة الإنفاق دون أن تكون قد أجابت عنها.

منصب مدير الذكاء الاصطناعي يتكاثر، والميزانيات تنمو بنسبة 47% سنوياً، وسوق الحلول مستعدٌ تماماً لتزويد اليقين لمن يبحث عنه. ما لا يوفره السوق هو قدرة المؤسسة على تعريف مشكلتها الخاصة قبل شراء الحل. هذه القدرة تُبنى داخلياً، وتحتاج إلى وقت وإلى صدق مع النفس حول ما لا يستطيع النظام فعله بعد. والمؤسسات التي ستبني هذه القدرة قبل أن يُرغمها الضغط التنافسي على التصرف دون امتلاكها ستكون هي القادرة، بعد ثلاث سنوات، على تقييم ما إذا كان ما موّلته تحولاً حقيقياً، أم مجرد نقل للميزانية نحو تعريفات كتبها الآخرون عنها.

مشاركة

قد يعجبك أيضاً