الهند تُعلن عن مصانع بينما يبني العالم شيئاً آخر
ثمة لحظة يتغير فيها خريطة المنافسة الاقتصادية لأي دولة دون أن يلتفت إليها صانعو القرار في الوقت المناسب. والهند تُعلن منذ سنوات عديدة عن هذه اللحظة في خضمّ الضجيج والاحتفاء: مصانع لأشباه الموصلات، ومنشآت لإنتاج البطاريات، ومراكز للذكاء الاصطناعي. يُوقّع الوزراء القرارات، وتحتفي عناوين الصحف، وتحضر صناديق الاستثمار الأجنبي إلى حفلات الافتتاح. غير أن ثمة خللاً ما، إذ إن البنية التحتية العميقة التي تُحوّل المصنع إلى قوة استراتيجية راسخة على المدى البعيد — من جامعات تُنتج براءات الاختراع، ورأس المال الصبور الذي يُموّل المختبرات لعقود، والمعايير التقنية التي تُحدد من يتحكم في الصناعة غداً — لا تزال بعيدة عن البناء بالإلحاحية ذاتها.
والحادثة الأخيرة التي تورّط فيها سونيل بهارتي ميتال وعزمه تعميق مشاركته في شركة "بريتيش تيليكوم" تُجلّي هذا الخلل بصورة مزعجة وواضحة. إذ استنفر الحكومة البريطانية رادارُها للأمن القومي حين بدت احتمالية سيطرة تكتل هندي على بنية تحتية حيوية لقطاع الاتصالات. وهذه ليست الحالة الوحيدة: فقد حجب بكين محاولةَ ميتا للاستحواذ على شركة الذكاء الاصطناعي الصينية الناشئة "مانوس"، وأسقطت هولندا صفقةَ استحواذ شركة أمريكية على مورّد مرتبط ببنيتها التحتية للهوية الرقمية. وتعمل كل من اليابان وأوروبا والولايات المتحدة منذ سنوات على تضييق مرشّحات الاستثمار في قطاعات كانت تُتداول بحرية في السابق.
وما تُقدّمه الصحافة عادةً على أنه "مراجعات تنظيمية روتينية" يُمثّل في الحقيقة جزءاً من إعادة هيكلة أعمق: إذ قرّرت الحكومات أن السيطرة على قدرات تكنولوجية بعينها ليست قابلة للتفاوض بسعر السوق. وبالنسبة للهند، فإن السؤال ليس لماذا تحدث هذه العمليات التي تتصدّى لها. بل هو: هل تبني الأصول التي تستحق الدفاع عنها بالمستوى ذاته؟
المصنع وحده لا يُنتج قوة استراتيجية
ظلّ مقياس النجاح الاقتصادي لدولة نامية عقوداً طويلة أمراً بسيطاً: استقطاب الاستثمار الأجنبي، وبناء قدرات تصنيعية، والاندماج في سلاسل التوريد العالمية. وقد استوعبت الهند هذا الدليل بقوة منذ تسعينيات القرن الماضي، مع الانفتاح التجاري وطفرة الاستعانة بمصادر خارجية في خدمات التكنولوجيا. ثم جاء الفصل التصنيعي في عقد العشرينيات من القرن الحادي والعشرين: "صنع في الهند"، وأنظمة الحوافز المرتبطة بالإنتاج، والمفاوضات لاستقطاب كلٍّ من آبل وسامسونج وسلسلة مورّديهما.
والمشكلة ليست أن تلك الاستراتيجية كانت خاطئة. المشكلة أنها لم تعد كافية.
فمصنع لأشباه الموصلات لا يساوي قيمةً مركزَ أبحاث في مواد أشباه الموصلات محاطاً بالكفاءات البشرية وصناديق رأس المال الاستثماري المتخصصة ومورّدي المدخلات الدقيقة والتشريعات التي تُيسّر نقل التكنولوجيا بين المختبر وخط الإنتاج. الأصل الأول يمكن نقله وإعادة توطينه إذا تغيّر المناخ الضريبي أو الجيوسياسي؛ أما الثاني فيستغرق بناؤه عشرين عاماً وهو شبه مستحيل الاستنساخ في مكان آخر بمجرد تماسك الكتلة الحرجة.
لم تتحوّل الصين إلى قوة عظمى في صناعة بطاريات المركبات الكهربائية لمجرد أنها صنّعت خلايا أكثر من غيرها. إن شركتا CATL وBYD تهيمنان اليوم على قطاعات واسعة من سلسلة التوريد العالمية للبطاريات لا لأن الدولة الصينية دعمتهما بالإعانات، بل لأنه على مدى عقدين من الزمن نُظّم منظومة متكاملة ضمّت جامعات تقنية تُنتج أبحاثاً تطبيقية، وحكومات محلية تُيسّر الأراضي والتمويل والمشتريات العامة، ورأس مال خاص وجد إشارات طويلة الأمد واضحة بما يكفي للاستثمار. وهذا النموذج — الذي يُسمّيه بعض الأكاديميين "الحلزون الثلاثي" وإن كان الاسم أقل أهمية من الآلية — هو ما حوّل المصانع إلى معايير صناعية. والمعايير قوةٌ بحد ذاتها.
تُنتج الهند مهندسين بأعداد هائلة. وبنيتها التحتية الرقمية العامة — ولا سيما "آدهار" و"يو بي آي" — تُثبت أنه حين تتوافق الحكومة والتكنولوجيا والسياسة العامة نحو هدف محدد بدقة، يمكن أن تكون النتائج في مصافّ الأفضل عالمياً. وقد بدأ برنامج الدفاع iDEX في إنتاج إشارات مماثلة في مجال التكنولوجيا العسكرية. بيد أن هذه حالات تنسيق مؤسسي رفيع في قطاعات محدودة. ما لم تبنِه الهند بعد هو النسيج الرابط الذي يُحوّل هذه الحالات إلى قاعدة وليس استثناء.
الرقم الذي ينبغي أن يُقلق أكثر رئيس تنفيذي هندي
تُنفق الهند ما يعادل نحو 0.6% من ناتجها المحلي الإجمالي على البحث والتطوير. بينما تستثمر الصين ما بين 2.4% و2.6%، فيما تتراوح نسب الإنفاق في الولايات المتحدة وألمانيا وكوريا الجنوبية واليابان بين 2% و4%. هذه الهوّة ليست مجرد رقم: إنها المسافة الفاصلة بين بناء مصانع وبناء القدرة على تصميم ما تُنتجه تلك المصانع.
يُصنّف مؤشر الابتكار العالمي الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية الهندَ في المرتبة 52 من حيث مدخلات الابتكار. والبلاد تُبلّ أداءً أفضل في المُخرجات — إذ تتمكن من تحويل مواردها المحدودة إلى بعض النتائج المبتكرة — غير أن السقف يبقى منخفضاً لأن المدخلات غير كافية. ويزداد الأمر إزعاجاً حين يتعلق الأمر بتقاطع رأس المال الرمزي والملكية الفكرية: فالهند تضم أكثر من مئة شركة تُقدَّر قيمتها بما يتجاوز مليار دولار، غير أن منها، استناداً إلى البيانات الواردة في التحليل المرجعي، ما لا يقل عن 101 شركة لا تمتلك أي براءة اختراع.
يُصوّر هذا الرقم بدقة النوع من الابتكار الذي أولته الهند الأولوية: نماذج أعمال رقمية تُحكّم في أنماط الاستهلاك، ومنصات وساطة، وتطبيقات مالية مبنية على البنية التحتية العامة. كل ذلك يخلق قيمة اقتصادية ووظائف. لكنه لا يخلق الأصول التي تحميها الحكومات الأوروبية والأنغلوساكسونية بقوانين الأمن القومي. فلا أحد يُفعّل ما يُعادل قانون الأمن القومي والاستثمار البريطاني من أجل تطبيق مدفوعات. لكنه يُفعّل من أجل شبكة اتصالات، أو مزوّد للهوية الرقمية، أو شركة تمتلك ملكية فكرية في مواد البطاريات أو في النماذج التأسيسية للذكاء الاصطناعي.
والخلاصة العملية للمستثمرين والمديرين التنفيذيين الذين يقرؤون الخريطة ببرودة هي التالية: لم يعد القيمة الاستراتيجية للأصل يحدده وحده تدفقه النقدي المتوقع، بل ما إذا كان البلد الذي يعمل فيه يعتبره جزءاً من بنيته التحتية للقوة. وهذه إعادة تقييم تجري الآن في قطاعات أشباه الموصلات والاتصالات والطاقة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية. والشركات المتموضعة داخل تلك المحيطات — بما تمتلكه من ملكية فكرية وعقود طويلة الأمد مع الحكومات وحضور في المعايير التقنية الدولية — ستُقيَّم بصورة مختلفة في العقد المقبل. أما تلك التي تقع خارج هذا المحيط، وإن كانت مربحة، فهي أكثر عرضة للإزاحة.
ما تحتاج الهند إلى بنائه قبل أن تتثبّت الخريطة
الخطر الفعلي الذي يُهدد الهند ليس أنها ستعجز عن امتلاك مصانع. بل إنها ستقع في فخ امتلاك مصانع يتحكم فيها الآخرون. فمنشأة لأشباه الموصلات تُعلَن في خضم الضجيج، لكنها تخلو من سلسلة أبحاث محلية، ومن مورّدي معدات محليين، ومن كليات هندسية تُخرّج مهندسي العمليات الذين ستحتاجهم تلك المنشأة بعد عقد من الزمن، هي أصل قابل للتعبئة والنقل. أو أنه قد يُصبح رهيناً لتراخيص أجنبية لتحديث تقنيته. أو أنه في أحسن الأحوال سيظل يُجمّع تصميمات غيره دون أن يصل يوماً إلى إنتاج تصميماته الخاصة.
الفارق بين السيناريوين هو فارق مؤسسي قبل أن يكون اقتصادياً. فهو يتطلب جامعات قادرة فعلياً على إنتاج براءات اختراع وشركات ناشئة تجارية، لا على مجرد نشر أوراق أكاديمية. ويستدعي رأس مال مخاطرة على استعداد لتمويل شركة في مجال المواد المتقدمة لمدة ثماني سنوات قبل أن تُحقق أي إيرادات، وهو ما لا يوفره السوق الهندي الراهن بالعمق الكافي للقطاعات كثيفة الأجهزة. ويحتاج إلى آليات فعّالة لنقل التكنولوجيا بين المختبرات العامة والصناعة، آليات تعمل على أرض الواقع لا على الورق فحسب. كما يستلزم تنسيقاً في السياسة الصناعية طويلة الأمد يصمد عبر الدورات الانتخابية، وهو ما لا تحله أي ديمقراطية بسهولة، لكن بعض الدول — كوريا الجنوبية وتايوان وألمانيا — نجحت في ذلك بدرجات متفاوتة من النجاح المستدام.
يجب أن يرتفع إنفاق الهند على البحث والتطوير من 0.6% إلى ما لا يقل عن 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي لتبدأ في الاقتراب من الاقتصادات التي تتنافس بالفعل في الفئات التي تتحدد فيها القوى التكنولوجية للعقود المقبلة. وهذه القفزة تعني عشرات المليارات من الدولارات الإضافية سنوياً، ونقاشاً حول كيفية توزيعها يتجاوز بكثير مجرد الإعلان عن المزيد من المصانع.
إن حادثة "بريتيش تيليكوم" ليست قصة عابرة في السياسة الخارجية، ولا مشكلة رجل أعمال هندي طموح في أوروبا. إنها الإشارة الأوضح التي تلقّتها الهند في السنوات الأخيرة بأن رأس المال الهندي الراغب في العمل في القطاعات التي تعدّها الاقتصادات المتقدمة استراتيجية يحتاج إلى الوصول بأوراق اعتماد تكنولوجية، لا برأس المال المالي وحده. وبناء تلك الأوراق — في الملكية الفكرية والمعايير التقنية وقدرات البحث الذاتي — هو بالضبط ما أجّلته الهند ريثما تحتفل بالافتتاح التالي لمصنع جديد.
الاحتكاك الذي لم تُولِه أي حكومة هندية الاهتمام الكافي ليس الاحتكاك البيروقراطي ولا الضريبي. إنه الاحتكاك المعرفي بين لغة التصنيع التي تهيمن على خطاب السياسة الاقتصادية، ولغة الأصول الاستراتيجية التي باتت اللغة التشغيلية الراهنة في واشنطن وبروكسل وطوكيو وبكين. وما لم يُردم هذا الفجر في قرارات الميزانية وإصلاح الجامعات وهيكلة رأس المال الاستثماري المحلي، ستظل المصانع الأصلَ الأكثر كلفةً والأكثر قابلية للاستبدال في الاقتصاد الهندي.










