نسيج ومراهنة الإمارات على تحويل 220.000 طن من النفايات إلى هندسة ذات قيمة
لا يختفي النسيج حين ترميه بعيداً. إنه يتراكم. تولّد الإمارات العربية المتحدة ما يقارب 220.000 طن من المنسوجات المُهمَلة كل عام، وهو حجم كان يتدفق في معظمه حتى وقت قريب نحو مكبات النفايات دون أن يتوفر أي إطار وطني لاعتراضه. هذا الواقع آخذ في التغيير مع إطلاق مبادرة "نسيج"، أولى المبادرات المتكاملة للتدوير المنسجي الدائري في البلاد، التي أُطلقت في يونيو 2026 بموجب توجيه رئاسي خلال فعالية أُقيمت في ياس مول بأبوظبي.
ما يجعل هذه الخطوة جديرة بالتحليل المعمّق ليس الإعلان في حد ذاته، ولا حتى طموحه. بل هو السؤال الذي تطرحه كل مبادرة من هذا النوع على الرقابة الجادة: هل تمتلك بنية اقتصادية كافية لتستدام، أم أنها النمط من البرامج التي تبدو رائعة في حفل الافتتاح ثم تتلاشى بين الدورات السياسية؟
ما الذي تبنيه نسيج وما الذي لا يزال غائباً
يحيل الاسم بالعربية إلى فكرة الحياكة والتشابك. الاستعارة ليست اعتباطية. صُمِّمت المبادرة بوصفها منصة تنسيق تربط المصنّعين والتجار بالتجزئة وجهات إعادة التدوير والمؤسسات البحثية والجهات التنظيمية والمستهلكين على امتداد سلسلة القيمة النسيجية بأسرها. إنها ليست برنامج إعادة تدوير آنياً، ولا حملة توعوية. إنها، على أقل تقدير في بنيتها المُعلنة، محاولة لإعادة تصميم عملية الأيض داخل القطاع النسيجي الإماراتي من أصل المنتج حتى نهاية دورة حياته.
قدّم وزير الاقتصاد والسياحة مبادرة نسيج بوصفها مولّدة لفرص الاستثمار، لا مجرد سياسة بيئية. وهذا في حد ذاته معطى جوهري. حين تضع الحكومة مبادرة للاقتصاد الدائري في إطار استقطاب رأس المال لا الامتثال التنظيمي، فإنها تُشير إلى شيء عن نموذج الحوكمة المفضّل لديها: إذ تُؤثر تحفيز المنظومة الخاصة على تنظيمها بالإلزام. هذا الاختيار له تداعيات على سرعة التبنّي وعلى هوية من ينتهي به الأمر ممسكاً بالقيمة المُولَّدة.
تتمتع الإمارات بملف استثمار خاص غير مألوف بالنسبة لمشاريع من هذا النوع. فوفقاً لتقرير "أجيليتي للأبحاث والاستراتيجية" المُستشهد به في تغطية مجلة Sourcing Journal، أبدى ما يقارب ثلاثة أرباع المستثمرين من أصحاب الثروات الكبيرة في البلاد اهتماماً بالأعمال المركّزة على الاستدامة، وأدرج أكثر من نصفهم السياسات الأخلاقية بوصفها معياراً في قراراتهم الاستثمارية. هذا الرقم ليس ديكوراً. إنه يُشير إلى توفر رأس مال محلي مُهيَّأ ومستعد، مما يُخفف جزئياً من الاعتماد على التمويل الحكومي لتوسيع نطاق بنية الجمع وإعادة التدوير التي تحتاجها نسيج.
مع ذلك، تظل الهوّة بين النية والتنفيذ في مجال التدوير النسيجي الدائري عسيرة الردم بشكل لافت. فالبنية التحتية لفرز الألياف المختلطة، واللوجستيات العكسية من المستهلك إلى نقطة المعالجة، وتقنيات إعادة تدوير الألياف من أليف لأليف، كلها تستلزم استثماراً رأسمالياً ثابتاً وتحمّلاً لآجال طويلة، وبصورة حاسمة حجماً ثابتاً من المواد الخام. وبغياب ضمانات لتدفق أدنى من المواد المستردة، لا يستطيع أي مشغّل خاص لإعادة التدوير أن يُقيم نموذج عمل قابلاً للتطبيق. وستتعين على نسيج حل مشكلة التنسيق تلك قبل أن يتمكن أي من المشاريع التجريبية التي تُعلن عنها من التوسع والانتشار.
السوق الكامنة ومنطقها المالي
القطاع النسيجي وقطاع الملابس في الإمارات ليسا هامشيَّين. إذ بلغت صادرات الدولة 4.52 مليار دولار في عام 2023، وتتوقع الإسقاطات أن يرتفع السوق النسيجي الداخلي من 15.08 مليار دولار في 2024 إلى 20.93 مليار دولار في 2029. أرقام تضع الإمارات في مصاف أسواق الاستهلاك النسيجي الأكثر ديناميكية في المنطقة، وتُحدد في آنٍ معاً حجم مشكلة النفايات وضخامة القيمة القابلة للاسترداد محتملاً.
حين يُحلَّل اقتصاد التدوير النسيجي، يتضح أن هيكل الحوافز مضطرب في أساسه. إذ يقع تكلفة التخلص من النسيج على عاتق منظومة إدارة النفايات البلدية بالكامل تقريباً، بينما تظل قيمة المواد القابلة للاسترداد محتجزة دون استثمار. وما تقترحه نسيج في جوهرها هو إعادة هيكلة تلك البنية كي يُبرر جزء من القيمة المستردة اقتصادياً الاستثمار في البنية التحتية للاسترداد. إنها الحجة ذاتها التي يقوم عليها تصميم مخططات المسؤولية الممتدة للمنتج في أوروبا، وإن كانت النسخة الإماراتية تُفضّل الاستقطاب الاستثماري الخاص على الإلزام التنظيمي المباشر.
الفارق ليس طفيفاً. تُلزم مخططات المسؤولية الممتدة العلامات التجارية بتمويل نهاية دورة حياة منتجاتها، مما يُدرج تكلفة التدوير الدائري ضمن سعر البيع. أما النموذج القائم أساساً على تحفيز المستثمرين، فقد يُولّد بنية تحتية بوتيرة أسرع على المدى القصير، إلا أنه يترك مفتوحاً السؤال المتعلق بمن يتحمل التكاليف حين تكون البنية التحتية مُربحة لكن الأحجام غير كافية لتغطية نفقات التشغيل. وتاريخياً، تسد تلك الهوّة الإعانات الحكومية أو تطوع الشركات، وكلا الآليتين هشّ بطبيعته تحت الضغط.
يُحدد الهدف المُعلَن المتمثل في خفض النفايات للفرد من 2.2 كيلوغرام إلى 1.76 كيلوغرام بحلول 2041 — بنسبة انخفاض 18% — أفقاً زمنياً مدته 15 عاماً. يوفر ذلك هامشاً لبناء البنية التحتية وتغيير السلوكيات، لكنه يعني في الوقت ذاته أن المبادرة ستضطر إلى الصمود عبر دورات سياسية واقتصادية متعددة قبل بلوغ غايتها المحورية. وتعتمد مصداقية ذلك الالتزام اعتماداً مباشراً على عدد قرارات الاستثمار الملموسة التي ستُتخذ في الأربعة والعشرين إلى الستة والثلاثين شهراً المقبلة، قبل أن يُخمد الجمود المؤسسي الزخم الذي أطلقه التدشين.
لماذا تبدو جغرافيا نسيج أهم مما تبدو عليه
الإمارات ليست مصنّعة نسيجية مهيمنة على الصعيد العالمي. إنها عقدة تجارية وإعادة تصدير واستهلاك. لهذا الموقع في السلسلة دلالة مباشرة على نطاق نسيج: تستطيع الدولة التأثير على نهاية دورة حياة النسيج داخل حدودها، لكن تأثيرها يبقى محدوداً على التصميم والإنتاج في المراحل العليا من السلسلة، حيث تُحدَّد متانة المواد وقابليتها للتدوير وتركيبتها قبل أن تصل إلى مستهلكيها.
هذا لا يُلغي المبادرة. بل يعني أن نسيج ينبغي أن تبلغ من الكفاءة حداً استثنائياً في العُقد التي تمتلك فيها ولاية فعلية: نقاط الجمع، والبنية التحتية للفرز، وآليات إشراك المستهلك بصورة فاعلة، والروابط مع المشترين الدوليين للمواد المستردة. فالنسيج المُفرَز بشكل صحيح في أبوظبي يمكنه أن يُغذي سلسلة إعادة تدوير في آسيا أو أوروبا، وهذا يُحوّل الإمارات إلى مورد محتمل للمواد الخام الثانوية للأسواق التي تفرض متطلبات تنظيمية متنامية لمحتوى معاد تدويره.
هنا تكمن الرافعة المالية الأكثر إثارة للاهتمام التي لم تُصرّح بها نسيج علناً حتى الآن، أو على الأقل ليس بصورة صريحة في التغطيات المتاحة. إذا أرست الإمارات قدرة كافية على الفرز والتتبع تُتيح اعتماد مصدر موادها النسيجية المستردة وتركيبتها وتوثيقهما، فإنها ستتمكن من الوصول إلى سوق مميّزة للألياف الثانوية المعتمدة، تهيمن عليها اليوم في معظمها شركات تشغيل أوروبية وبعض الآسيوية. القيمة لا تقتصر على تحويل النفايات بعيداً عن المكبات المحلية، بل تمتد إلى تحويل تلك النفايات إلى مدخل قابل للتصدير بسعر سوقي.
التدوير الدائري بوصفه موقعاً استراتيجياً لا إيماءة بيئية
إن إطلاق نسيج بموجب توجيه رئاسي، مع تغطية منسّقة في وسائل الإعلام المتخصصة الدولية كـSourcing Journal، وبفعالية موجّهة لعموم المستهلكين في مركز تجاري بأبوظبي، ليس مصادفة في التوقيت. إنه إشارة متعمدة موجّهة لثلاث جهات مختلفة في آنٍ واحد: المستثمرون الدوليون الذين يُقيّمون الإطار التنظيمي للدولة، والعلامات التجارية العالمية العاملة في السوق الإماراتية والتي تحتاج إلى استباق المتطلبات المستقبلية للتدوير الدائري، والسكان المحليون المطلوب منهم اعتماد سلوكيات استهلاك وتخلص جديدة.
أن تتلقى تلك الجهات الثلاث الرسالة ذاتها بالزخم السياسي ذاته يُمثّل ميزة في الحوكمة لا تحظى بها سوى دول قليلة. إذ تنبع معظم مبادرات التدوير النسيجي الدائري من الجهة التنظيمية البيئية وتستغرق سنوات حتى تبلغ المستهلك أو المستثمر بقوة كافية. تنطلق نسيج من القمة بقدرة إشارية واسعة، مما يُعجّل بتشكّل التوقعات لدى جميع الفاعلين في المنظومة.
أما الضعف المقابل لتلك نقطة الانطلاق، فهو أن البرامج التي تُطلق بحضور سياسي عالٍ تُولّد ضغطاً نحو نتائج سريعة وملموسة، في حين أن منطق التدوير النسيجي الدائري يستلزم آجالاً أطول من دورات المساءلة السياسية. فإن عجزت نسيج عن عرض مقاييس ملموسة للمواد المستردة في السنتين أو الثلاث سنوات الأولى، فإنها تُخاطر بالتصنيف بوصفها مبادرة دعاية وطنية أكثر منها منصة تشغيلية لتحويل قطاعي حقيقي.
المؤشر الأصدق على نجاح نسيج لن يكون عدد نقاط الجمع المُفتتحة، ولا الأطنان من الملابس المُتبرَّع بها في حملات التوعية. بل سيكون ما إذا كان هناك، بعد خمس سنوات، مشغّلون خاصون لإعادة التدوير النسيجي اتخذوا قرارات استثمار رأسمالي بناءً على تدفق المواد المضمون من المنصة. حين يُقامر القطاع الخاص بأمواله الخاصة على إسقاطات الحجم التي تُولّدها مبادرة عامة، عندئذٍ فحسب يتحول الأمر من هندسة ذات قيمة حقيقية إلى مجرد إعلان نوايا مُحكَم الصياغة.










