لماذا تتعثر الاتفاقيات الكبرى للتحول في قطاع الطاقة بجنوب شرق آسيا
في نوفمبر عام 2021، في مدينة غلاسكو، قدّمت حكومات مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي ما وصفته بأنه بنيةٌ جديدة لتمويل المناخ: شراكات التحول العادل في قطاع الطاقة. كانت الفكرة طموحةً في تصميمها. فبدلاً من توجيه الأموال نحو مشاريع متفرقة، تعهّد المانحون بضخّ عشرات المليارات من الدولارات في اقتصادات بعينها، حيث يتجذّر الفحم بعمق في مصفوفتها الكهربائية، وذلك مقابل خططٍ ملموسة لإزالة الكربون، وإصلاحاتٍ تنظيمية، وحمايةٍ للعمال في هذا القطاع. كانت جنوب أفريقيا التجربةَ الرائدة، ثم جاءت إندونيسيا وفيتنام في مرحلة لاحقة.
بعد أربع سنوات، يبدو الحصاد مُقلِقاً. فالأموال لم تتدفق بالسرعة الموعودة، ومشاريع الطاقة المتجددة الكبرى لا تزال دون تمويل مُغلق، وفي مارس 2026 انسحبت الولايات المتحدة رسمياً من هذه الشراكات، ساحبةً معها ما يزيد على 3 مليارات دولار من الالتزامات المرتبطة بفيتنام وإندونيسيا. ما بدا يوماً تحولاً في نموذج تمويل المناخ، يواجه اليوم سؤالاً أكثر إزعاجاً: هل كانت المشكلة في التصميم من البداية، أم أن طموح الأداة تجاوز ببساطة القدرة السياسية للدول التي كان من المفترض أن تستقبلها؟
النموذج الذي أغفل الاقتصاد السياسي للفحم
ارتكزت بنية شراكات التحول في قطاع الطاقة على فرضيةٍ معقولة لكنها منقوصة: وهي أن الحكومات المستقبِلة، حين تُعرض عليها حزمة تمويل ضخمة بما يكفي، ستمتلك الحوافز والقدرة على تنفيذ إصلاحات هيكلية عميقة. والمشكلة أن هذه الإصلاحات لا تجري في فراغ. إنها تجري داخل أنظمة سياسية تُشكّل فيها شركات الكهرباء الحكومية أطرافاً ذات نفوذ حقيقي، وحيث يُؤمّن الفحمُ فرص عمل وعائداتٍ ضريبية في مناطق بعينها، وحيث لا يمثّل سعر الكهرباء مجرد متغيّر سوقي، بل أداةً للتماسك الاجتماعي.
في إندونيسيا، تُمدّ شركة PLN الحكومية الكهرباءَ لـ98 بالمئة من الأسر في البلاد. وقدّرت خطة الاستثمار المعتمدة في 2023 احتياجاتٍ إجمالية بـ97 مليار دولار حتى عام 2030، لا تُغطي الشراكة منها سوى جزءٍ ضئيل. والبقية تتوقف على دخول القطاع الخاص بكثافة، مُستقطَباً بإصلاحات لم تُتمّ PLN والحكومة اعتمادها قط. وتشمل هذه الإصلاحات: إلغاء السقوف المحلية لسعر الفحم، ورفع التعريفات الكهربائية على المستهلكين، ومنح ضمانات سيادية للمشاريع ذات الأولوية. وكان لكل واحدة من هذه الإجراءات ثمنٌ سياسي حقيقي، لا يمكن تنفيذ أيٍّ منها بمرسوم تقني بحت.
والنتيجة كاشفة. ففي مطلع عام 2026، لم يُعتمد في إطار الشراكة الإندونيسية سوى 2.9 مليار دولار، من بينها 1.8 مليار دولار تُمثّل قرضاً من وكالة التعاون الدولي اليابانية JICA لمشروع مترو جاكرتا، الذي لم يكن جزءاً من الهدف الأصلي للبرنامج. وجاء معظم الباقي في صورة قروض لتعزيز القدرات المؤسسية للحكومة، لا لمشاريع توليد طاقة متجددة فعلية. أما مزرعة الطاقة الشمسية العائمة في سيراتا، وهي من القلائل التي تقدّمت على نطاق واسع، فقد شُيّدت خارج إطار الشراكة.
أما فيتنام فتعكس نمطاً مختلفاً لكنه بالقدر ذاته من الدلالة. فقد شهد البلد طفرةً في الطاقة المتجددة بين عامَي 2019 و2023: إذ ارتفعت حصة طاقة الرياح والطاقة الشمسية من 0.4 بالمئة إلى 14 بالمئة من الكهرباء المُنتجة. غير أن هذا النمو جاء قبل وجود الشراكة، مدفوعاً بتعريفةٍ تحفيزية ثابتة أُقرّت عام 2017، وامتصّت تكاليفه بصفة رئيسية شركة EVN الحكومية. وبين عامَي 2022 و2023، تراكمت على EVN خسائر بما يعادل 1.97 مليار دولار، نتيجة ارتفاع المدفوعات للمنتجين الخاصين وإلزامها بشراء الطاقة بتعريفات تفوق السعر السوقي. وبحلول عام 2023، تراجعت حصة EVN في الطاقة المركّبة الوطنية من 61 بالمئة إلى 37 بالمئة في غضون سبع سنوات فحسب. وهذه التجربة، بعيداً عن أن تُقدَّم نموذجاً يُحتذى، تُشكّل في واقعها تحذيراً صارخاً: سواءٌ لشركة EVN التي يصعب عليها قبول تكرارها، أو لإندونيسيا التي ترقبها بعين متشككة.
حين لا تتلاقى الوعود مع الهياكل
لم يُفرز انسحاب الولايات المتحدة في مارس 2026 المشكلةَ، لكنه كشف عنها. فقد أبان إعلان وزير الخزانة أن نسبةً كبيرة من الالتزامات ضمن هذه الشراكات لم تكن منحاً أو قروضاً ميسّرة، بل قروضاً بأسعار فائدة السوق. وكانت فيتنام الوحيدة من بين الدول الثلاث التي أصرّت منذ البداية على أن يصل ما لا يقل عن 7.5 مليار دولار بأسعار فائدة أدنى من السوق المفتوحة. ولم تضع إندونيسيا ولا جنوب أفريقيا هذا الشرط بالصرامة ذاتها. فأفضى ذلك إلى تصميمٍ تتحمّل فيه الدول المستقبِلة مخاطر الدين الخارجي، فيما يُطلب منها في الوقت ذاته التنازل عن عائدات التعريفات والسيطرة على شركاتها الاستراتيجية.
هذا ليس إخفاقاً في الإرادة السياسية لدى المستقبِلين، بل هو سوءُ معايرة للأداة أمام الاقتصاد الفعلي. ففي جنوب أفريقيا، كانت شركة Eskom الحكومية للكهرباء تُسجّل خسائر تشغيلية تتجاوز 1.1 مليار دولار حين أُبرم الاتفاق في عام 2021. وبحلول عام 2025، نجحت في تسجيل أول ربح لها في ثماني سنوات بقيمة مليار دولار، لكن ذلك جاء بعد أن استوعبت الحكومة جزءاً كبيراً من ديونها، وبعد أن تحمّل المستهلكون موجات من رفع التعريفات رفعت عائدات الشركة بنسبة 67 بالمئة بين عامَي 2021 و2025. وقد دفع تكاليف إعادة التوازن هذه، بنسب متفاوتة، الدولةُ والأسرُ المعيشية على حدٍّ سواء. في المقابل، رصد القطاع الخاص الدولي المشهد، وقيّم المخاطر المتبقية، وأحجم عن الدخول بالحجم المنتظر.
ما يكشفه تحليل هذه الاقتصادات الثلاث هو فجوةٌ هيكلية بين منطقتَين لم يحسم الإطار التوفيقَ بينهما قط. منطق المانح يفترض أن العائق الرئيسي هو التمويل، وأنه إن وُفّر رأس المال بكميات كافية، ستُصلح الأسواق والمؤسسات نفسها للاستفادة منه. أما منطق المستقبِل، فينطلق من أن الأصل الرئيسي الذي يُدير هو استقرار المنظومة الكهربائية، وأن أي إصلاح يرفع الأسعار أو ينقل المخاطر إلى الدولة أو يُضعف سيطرة الشركة الحكومية، هو إصلاحٌ مُكلف سياسياً ومُزعزع للاستقرار في المحصلة. ليست هذه منطقَين غير عقلانيَّيْن، بل هما ببساطة منطقان متعارضان في الإطار الذي صِيغت فيه الاتفاقية.
وحذّر تقريرٌ مشترك لشركتَي Bain وStandard Chartered من أن أكثر من 35 بالمئة من الاستثمارات الخضراء المُعلنة في جنوب شرق آسيا قد لا تتحقق على أرض الواقع، ما لم تُحَلّ الاختناقات في شبكات الكهرباء والاستقرار التنظيمي والقدرة التنفيذية للمشاريع. وهذه النسبة تكاد تكون ضعف ما يُلاحَظ في مناطق مماثلة أخرى. وتُقيّم هذا الرقمُ بدقة الهوةَ الفاصلة بين الإعلان والتحوّل إلى أصول فعلية.
ما يعلّمنا الإخفاق الجزئي حول التمويل المناخي على نطاق واسع
لن يكون وصف هذه الشراكات بالإخفاق الكامل وصفاً دقيقاً. ففي الدول الثلاث، تسارعت النقاشات حول إصلاح قطاع الكهرباء، وتقدّمت بعض الأطر التنظيمية، وفي حالة جنوب أفريقيا يجري فعلاً إعادة هيكلة Eskom، وإن كانت متأنية. فالأداة ولّدت ضغطاً مؤسسياً لم يكن ليوجد بغيرها. بيد أن المسافة بين ما وُعد به وما نُفِّذ كبيرةٌ بما يكفي لاستخلاص دروس تتجاوز الحالة المحددة.
الدرس الأول هو أن التمويل المناخي على نطاق واسع لا يمكن تصميمه بتجاهل بنية الحوكمة في قطاع الطاقة بالبلد المستقبِل. فشركات الكهرباء الحكومية ليست عقباتٍ يمكن تجاوزها بشروط خارجية: إنها فاعلون محوريون يتحدد بسلوكهم ما إذا كانت المشاريع تبلغ مرحلة التشييد أم تبقى رهينة الخطط. فتصميم برنامج للتحول يشترط من PLN أو EVN التنازل عن حصتها السوقية، وتحمّل ديون بالعملات الأجنبية، وقبول عقود مُقوَّمة بالدولار، دون حسم المعادلة المالية لتلك الشركات أولاً، هو بناءٌ على افتراضٍ لا تسنده البيانات.
الدرس الثاني هو أن الجمع بين قروض بأسعار السوق ومتطلبات الإصلاح الهيكلي العميق يخلق تفاوتاً في المخاطر تملك الدول المستقبِلة مبرراتٍ عقلانية لمقاومته. فإن نجحت المشاريع، تدفّق العائد نحو القطاع الخاص الدولي. وإن أفضت المشاريع أو الإصلاحات إلى اضطراب في التعريفات أو عدم استقرار سياسي، امتصّ الدولةَ التكلفةَ. وقد عاشت فيتنام هذا التفاوت بشكل مباشر بين عامَي 2019 و2023، والذاكرة المؤسسية لتلك الحقبة تُقيّد استعدادها لتكرار التجربة تحت أي مسمى كان.
الدرس الثالث، وهو الأشد إزعاجاً لمعماريي هذه الأدوات، هو أن المكوّن الاجتماعي العادل لم يحظَ قط بتمويل يتناسب مع ثقله الخطابي. ففي حالة جنوب أفريقيا، لم يُخصَّص سوى 50 مليون دولار من أصل 8.5 مليار دولار في الحزمة الأصلية للتنويع الاقتصادي وإعادة تأهيل العمال والإدماج الاجتماعي. والمجتمعات المعتمدة على الفحم، التي تستمد منها الأداة اسمها وشرعيتها السياسية، نالت شريحةً هامشية من الموارد. وحين يكون وعد العدالة خطاباً أكثر منه ميزانيةً، يجد الفاعلون السياسيون الداخليون الذين قد يدافعون عن البرنامج أمام قواعدهم أنفسَهم بلا حجج ملموسة يُقدّمونها.
أسرع الانسحاب الأمريكي وتيرة التداعيات لكنه لم يكن سببها. ما تواجهه هذه الشراكات هو توترٌ في التصميم لا يستطيع أي تغيير في الإدارة حلَّه: أداةٌ صِيغت لإعادة هيكلة أسواق الطاقة الوطنية دون نظرية راسخة بما يكفي حول كيفية عمل الاقتصاد السياسي لتلك الأسواق. والنسخ القادمة من هذا النوع من البرامج، إن جاءت، ينبغي أن تنطلق من هذه النقطة بالذات.









