أستراليا تستثمر 17.8 مليون دولار لإعادة تدوير الألواح الشمسية قبل أن يتحول المشكلة إلى أزمة خارجة عن السيطرة
تتصدر ولاية أستراليا الغربية منذ سنوات طويلة قائمة اعتماد الطاقة الشمسية السقفية على المستوى السكني. وهذا الواقع الذي بدا في ظاهره قصة نجاح مشرّفة لمسيرة التحول في منظومة الطاقة، كشف فجأة عن وجهه الأقل ارتياحاً: فحين تُقدم على تركيب الألواح الشمسية على نطاق واسع وشامل، فأنت في حقيقة الأمر تُبرمج موجة من النفايات ستنهمر عليك بدقة ساعة منضبطة. وقد أعلنت حكومة أستراليا الغربية عن استثمار يبلغ 17.8 مليون دولار أسترالي ضمن برنامج "صُنع من جديد في أستراليا الغربية" (Remade in WA)، وقد تُوصف هذه الخطوة في ظاهرها البسيط بأنها مبادرة بيئية. غير أن القراءة الأمينة الأكثر صدقاً تقول شيئاً مغايراً تماماً: فالولاية تسعى جاهدةً إلى بناء بنية تحتية لإغلاق دورة حياة هذه المنتجات، قبل أن يتحول تراكم الألواح في مدافن النفايات إلى عبء سياسي واقتصادي ذي تكلفة أعلى بكثير.
ليس القرار مجرد إيماءة خضراء أو مظهر بيئي. إنه رهان في البنية التحتية تحكمه منطق اقتصادي واضح المعالم، وإن كان يتضمن في الوقت ذاته نقاط هشاشة عديدة تستحق أن تُفحص بشيء من البرود والتمحيص.
المشكلة التي لم يحسبها أحد لحظة تركيب الألواح
طوال أكثر من عقد من الزمن، كانت برامج تحفيز الطاقة الشمسية السكنية في أستراليا تُقاس بعدد الأسر التي تبنّت هذه التقنية. وكانت تلك المعيار الصحيح لتلك المرحلة بعينها. أما ما لم يجرِ قياسه بالصرامة ذاتها فهو الالتزام المستقبلي الضمني الذي كان يتراكم في الخفاء: فكل لوح شمسي مُركَّب يتمتع بعمر افتراضي يناهز خمسة وعشرين عاماً، وعند انتهاء هذه الدورة يتحول إلى نفاية صلبة تحتوي مكونات يحتمل أن تكون خطرة.
وقد صاغ وزير البيئة ماثيو سوينبورن الأمر بصراحة غير معهودة في البيانات الرسمية: إذ إن الألواح الشمسية في أستراليا الغربية كانت تاريخياً تنتهي في مدافن النفايات. وهذه ليست مشكلة نية أو سوء قصد، بل مشكلة هيكلية في المنظومة. إذ لم يكن ثمة يوماً نظام لجمع هذه الألواح ونقلها ومعالجتها يُغلق تلك الحلقة. فقد شُيّد التبني الواسع للطاقة الشمسية فوق بنية تحتية للتخلص النهائي من النفايات لم تكن موجودة أصلاً.
والنتيجة المتوقعة بكل منطق هي أن الألواح الأولى التي رُكِّبت في المنطقة باتت تصل الآن إلى نهاية عمرها الافتراضي، وسيتصاعد حجم هذا التدفق بصورة متضاعفة مع نضوج الأجيال اللاحقة من التركيبات الأحدث. وفي غياب طاقة معالجة محلية كافية، يبقى أمام هذه الألواح سبيلان لا ثالث لهما: إما مدافن النفايات، أو تصديرها إلى منشآت إعادة التدوير في ولايات أو دول أخرى، مع ما يترتب على ذلك من تكاليف لوجستية مرتفعة وخسارة فادحة في قيمة المواد.
ويُخصص برنامج "Remade in WA" مبلغ 13 مليون دولار لسلسلة جمع الألواح ونقلها ومعالجتها سواء تلك القادمة من المنازل أو من مزارع الطاقة الشمسية. فيما يذهب 3 ملايين دولار لدعم الحكومات المحلية في جمع بطاريات الليثيوم المدمجة في أجهزة المنازل ووسائل التنقل الكهربائية. بينما يُغطي المبلغ المتبقي البالغ 1.8 مليون دولار التشغيل الميداني للبرنامج. ولا يدع توزيع الميزانية مجالاً للشك في تحديد الأولويات: فالعائق الرئيسي المُشخَّص يكمن في الألواح لا في البطاريات، وإن كانت مسألة البطاريات تُضيف عنصر خطر إضافياً أشار إليه الوزير نفسه: إذ تميل بطاريات الليثيوم التالفة إلى الاشتعال داخل تدفقات النفايات العادية.
ماذا يحتوي اللوح في داخله ليستحق هذه الـ 13 مليوناً؟
إحدى الشركات التي ستشارك بثقل لافت في هذا البرنامج هي Cyber Computer Recycling Solutions المتخصصة في إعادة التدوير ومقرها Canning Vale، وقد وصف مديرها التنفيذي شيبو جون عملية التفكيك بمستوى من التفاصيل يكشف بجلاء عن المنطق الاقتصادي الكامن وراءها.
تسير العملية في أربع مراحل متتابعة: تقوم روبوتات بإزالة المكوّن الكهربائي، ثم تستعيد آلة ثانية الألومنيوم، فتستخرج آلة ثالثة الزجاج، ثم تُفصل آلة رابعة الفضة والسيليكا والنحاس. والنتيجة النهائية، بحسب جون، أن المواد يمكن إعادة توظيفها بالكامل بدلاً من أن تنتهي في مدفن للنفايات.
وهذا التسلسل بالغ الأهمية لأنه يُحدد جدوى النموذج الاقتصادية. فاللوح الشمسي الواحد يحتوي ما بين عشرة وخمسة عشر كيلوغراماً من الزجاج المقسّى، وما بين كيلوغرام وكيلوغرام ونصف من الألومنيوم في الإطار، فضلاً عن كميات صغيرة ذات قيمة تجارية لا يُستهان بها من الفضة والنحاس في الموصلات. والفضة تحديداً مادة ذات قيمة سوقية مرتفعة. وإذا استطاعت عملية استرداد المواد أن تُدرّ دخلاً كافياً يعوّض جزءاً من التكلفة التشغيلية للمعالجة، فإن النموذج يمتلك منطقه الاقتصادي الذاتي المستقل بعيداً عن الدعم الحكومي.
وقد أعلنت الشركة عن طاقة معالجة شهرية تبلغ نحو 5000 لوح شمسي، مع سياسة تُفرّق بين الأسر السكنية التي لن تدفع أي رسوم، والشركات التجارية التي ستتحمل تكلفة الخدمة. وهذا الهيكل السعري ليس تعسفياً: فالألواح السكنية تصل بأحجام صغيرة وغير منتظمة، مما يجعل عمليات جمعها مكلفة. في حين تصل ألواح المزارع الشمسية والمنشآت التجارية في دفعات كبيرة وأكثر قابلية للتوقع، مما يُتيح تحميلها رسوم الخدمة دون الإضرار بنسبة المشاركة. وهو في مجمله دعم متقاطع مُصمَّم بعقلانية لتعظيم معدلات استرداد المواد دون إقصاء القطاع السكني، الذي إن تُرك وشأنه قد ينتهي به المطاف بإلقاء الألواح في أقرب مدفن للنفايات.
غير أن ثمة سؤالاً هيكلياً لا يُجيب عنه البرنامج بوضوح بعد. فمبلغ الـ 13 مليون يُوجَّه لإنشاء البنية التحتية، لا لدعم التشغيل الدائم وفق المعلومات المتاحة. وهذا يعني أن نموذج أعمال مشغلي إعادة التدوير يجب أن يعتمد في نهاية المطاف على إيراداته الذاتية المتأتية من بيع المواد المُستعادة والرسوم المفروضة على القطاع التجاري. فإذا انخفضت أسعار الفضة أو الألومنيوم انخفاضاً ملحوظاً في الأسواق الدولية، أو لم يشهد حجم المعالجة نمواً بالمعدل الذي يجعل العملية مجدية اقتصادياً، فإن البنية التحتية المُشيَّدة بالمال العام قد تغدو مُستغَلة بأقل بكثير من طاقتها الكاملة.
الوزيرة ساندرسون والاقتصاد الدائري بوصفه خالقاً لفرص العمل
أضافت وزيرة الطاقة أمبر-جيد ساندرسون بُعداً آخر للإعلان يستحق وقفة تأملية مستقلة. فبعيداً عن الحجة البيئية، وصفت البرنامج بأنه محرّك لخلق فرص العمل، واستشهدت بالاقتصاد الدائري الشامل للنفايات الغذائية ومدافن النفايات وإعادة تدوير المنتجات الإلكترونية، بوصفه قاطرة لتوليد الوظائف في أستراليا الغربية.
وهذا التأطير لا يقتصر على كونه بلاغياً خطابياً. فله دلالات عميقة تُساعد على فهم سبب استعداد الحكومة للاستثمار بمبلغ 17.8 مليون دولار في بنية تحتية لإعادة التدوير، بدلاً من مثلاً إلزام مصنّعي الألواح بتحمّل تكاليف التخلص النهائي عبر مخطط المسؤولية الممتدة للمنتِج.
فالاقتصاد الدائري يُولّد وظائف محلية لأنه لا يقبل الاستعانة بمصادر خارجية: إذ لا بد من جمع الألواح ونقلها ومعالجتها في المكان الذي توجد فيه. وهذا ما يجعلها نشاطاً اقتصادياً مرتبطاً جغرافياً بإحكام، مما يجعله جذاباً للحكومات الساعية إلى توفير فرص عمل محلية. كما أن حجة العمل تجعل البرنامج أكثر متانة سياسية مما لو قُدِّم باعتباره إنفاقاً بيئياً صرفاً، لأنه يُجيب في آنٍ واحد عن أولويتين مختلفتين.
ومع ذلك، لا يُؤتي الاقتصاد الدائري بوصفه محركاً للتوظيف ثمارَه المرجوة إلا حين تكون سلسلة القيمة مُندمجة محلياً بصورة كافية. فإذا انتهى المطاف بالمواد المُستعادة، من الألومنيوم والزجاج والفضة، إلى التصدير دون معالجة إضافية داخل الولاية، فإن القيمة المضافة التي تبقى في أستراليا الغربية ستكون أدنى كثيراً مما يُوحي به الخطاب الرسمي. وهذا خطر هيكلي يُلازم أي برنامج لإعادة التدوير غير المصحوب بصناعة تحويلية محلية تمتص المواد المُستعادة كمدخلات إنتاج.
التكلفة التي لا تظهر في ميزانية الـ 17.8 مليون
ثمة عنصر لا تعكسه أرقام البرنامج، وهو عنصر بالغ الأهمية لتقدير طموحه الحقيقي: وهو الهوة بين الطاقة التشغيلية المُعلنة وحجم النفايات المحتملة التي ستتولد في السنوات المقبلة.
إذا كانت أستراليا الغربية تتمتع بأعلى معدلات اعتماد الطاقة الشمسية في أستراليا، وكانت الألواح المُركَّبة في النصف الأول من العقد الأول من الألفية الثالثة ومطلع العقد الثاني قد شرعت في بلوغ نهاية دورة حياتها في هذه الحقبة، فإن تدفق الألواح التي تستلزم المعالجة قد ينمو بأضعاف مضاعفة تتجاوز بمراحل الـ 5000 لوح شهرياً التي تستهدفها الشركة المُعلنة في البداية. فالبنية التحتية التي تجري تمويلها الآن هي نقطة انطلاق لا حل متكامل.
وهذا لا يُلغي الاستثمار بحد ذاته. فبناء البنية التحتية الأولى للمعالجة محلياً يُمثّل الشرط الضروري السابق لأي توسع لاحق. غير أنه يُشير إلى ضرورة فهم البرنامج باعتباره القطعة الأولى في هيكل متكامل، يستلزم لكي يؤدي وظيفته على امتداد عشر سنوات مقبلة استثمارات إضافية على الأرجح من القطاع الخاص، أو آليات تنظيمية تُلزم المنتِجين بتمويل جزء من منظومة استرداد الألواح.
وتتجه التجارب الدولية في هذا المسار ذاته. ففي الاتحاد الأوروبي، امتدت توجيهية نفايات المعدات الكهربائية والإلكترونية لتشمل الألواح الكهروضوئية تحديداً حين اتضح جلياً أن السوق الاختيارية لن تُفرز بنية تحتية كافية لاستيعاب الحجم المتوقع من النفايات. وآلية المسؤولية الممتدة للمنتِج تنقل تكلفة التخلص من المنتج إلى الشركة المصنّعة، وهو ما يُولّد في المقابل حوافز تدفع نحو تصميم منتجات أيسر في التفكيك والفصل. أما البرنامج الأسترالي بصيغته الموصوفة، فلا يتضمن هذا المكوّن التنظيمي. فالاستثمار العام يُموّل البنية التحتية، لكن لا توجد أي إشارة إلى إلزام الشركات المصنّعة بالمساهمة في المنظومة أو بإعادة تصميم منتجاتها لتيسير إعادة تدويرها.
وهذا على الأرجح القيد الأشد أهمية في النموذج المُعلن. ليس لأن ما يجري فعله خاطئ في ذاته، بل لأنه في غياب آلية تُضمّن تكلفة نهاية الدورة في سلسلة الإنتاج، ستظل تكلفة إغلاق الحلقة تقع على عاتق الدولة والبلديات وفي نهاية المطاف دافعي الضرائب.
ما يكشفه هذا البرنامج عن دورة حياة التحول في منظومة الطاقة
تواجه أستراليا الغربية بصورة مُسرَّعة توتراً سيتكرر في أي جغرافيا استثمرت بكثافة في الطاقة الشمسية: نجاح النشر الواسع هو ذاته من يُولّد مشكلة إدارة نهاية الدورة. فالمرحلتان مترابطتان ترابطاً سببياً، لكنهما تُموَّلان وتُدارتان بطرق مختلفة كلياً.
فقد مُوِّل النشر عبر حوافز للمستهلكين ودعم للتركيب وأسعار شراء مضمونة للطاقة المُنتَجة. أما إغلاق الدورة، فلم يكن حتى وقت قريب يحظى بتمويل ولا ببنية تحتية. ويُعدّ برنامج "Remade in WA" أول محاولة جدية لبناء النصف الثاني من هذه الدورة، وقيمته الأكثر رسوخاً لا تكمن في الـ 17.8 مليون المُنفقة بقدر ما تكمن في كونه يُرسي سابقة مؤسسية: إذ تعترف الدولة رسمياً بأن التحول في منظومة الطاقة يُفرز مشكلة نفايات لا يمكن تركها لمنطق السوق وحده دون دعم.
ما يبقى هشاً هو الاستدامة الاقتصادية للنموذج في غياب الدعم الدائم. فالجدوى على المدى البعيد تتوقف على ثلاثة متغيرات لا يتحكم فيها البرنامج مباشرة: أسعار المواد المُستعادة في أسواق السلع الأولية، ونمو حجم الألواح المُعالجة، والدخول المحتمل لتنظيم يُلزم المصنّعين بالمشاركة في منظومة الاسترداد. فإذا تلاقت هذه المتغيرات الثلاثة بصورة إيجابية، ستكون أستراليا الغربية قد أنشأت صناعة لإعادة تدوير المواد الكهروضوئية ذات منطق اقتصادي مستقل. وإذا أخفق أي منها، ستجد البنية التحتية العامة نفسها تعمل بأقل من طاقتها الكاملة أو محتاجة إلى دعم تشغيلي دائم لم يُعلَن عنه صراحة.
هذا هو الرهان الحقيقي وراء الـ 17.8 مليون: أن يكون السبق إلى بناء البنية التحتية أجدى من انتظار السوق لبنائها بمفرده، لأنه حين يحدث ذلك ستكون مدافن النفايات قد راكمت عقوداً من التلوث الذي يصعب التراجع عنه أو إصلاحه.










