الولايات المتحدة تراهن بـ2000 مليار دولار على الحوسبة الكمية وتكشف عن نموذجها في السياسة الصناعية

الولايات المتحدة تراهن بـ2000 مليار دولار على الحوسبة الكمية وتكشف عن نموذجها في السياسة الصناعية

في الحادي والعشرين من مايو 2026، أضفت وزارة التجارة الأمريكية الطابع الرسمي على ما كان يُتداول همساً في أروقة واشنطن منذ أشهر: الحكومة الفيدرالية لا تريد فقط تمويل الحوسبة الكمية، بل تريد أن تكون مساهمةً فيها. قرار الالتزام بضخ ملياري دولار في مجموعة من شركات التكنولوجيا الكمية، عبر المشاركة في رأس المال بدلاً من منح إعانات مباشرة، يمثّل نقطة تحول في المنطق الذي تتصور به الولايات المتحدة سياستها التكنولوجية بعيدة المدى. إنه ليس شيكاً مالياً فحسب، بل إعلان عن هندسة صناعية متكاملة.

Gabriel PazGabriel Paz٢٢ مايو ٢٠٢٦8 دقيقة
مشاركة

الولايات المتحدة تراهن بـ2000 مليار دولار على الحوسبة الكمومية وتكشف عن طبيعة السياسة الصناعية التي تبنيها

في الحادي والعشرين من مايو عام 2026، أضفى وزارة التجارة الأمريكية طابعاً رسمياً على ما كان يتردد همساً في أروقة واشنطن منذ أشهر: الحكومة الفيدرالية لا تريد فحسب تمويل الحوسبة الكمومية، بل تريد أن تكون مساهماً فيها. إن القرار بالتعهد بـ2000 مليار دولار لصالح مجموعة من شركات التكنولوجيا الكمومية، عبر أخذ حصص رأسمالية بدلاً من منح دعم مالي مباشر وبسيط، يُشكّل نقطة تحوّل في المنطق الذي تتصوّر به الولايات المتحدة سياستها التكنولوجية بعيدة المدى. إنه ليس شيكاً مالياً. إنه إعلان عن هندسة صناعية متكاملة.

تتضمن الحزمة أسماءً باتت معروفة داخل القطاع: إذ تحصل IBM على ما يقارب مليار دولار لصالح شركتها التابعة الكمومية في ألباني بنيويورك، وتنال GlobalFoundries ما يقارب 375 مليون دولار موجهة نحو قدرات التصنيع المتقدم، فيما تُدرج كلٌّ من D-Wave Quantum وRigetti Computing وIonQ بوصفها جهات مستفيدة تحمل الحكومة الفيدرالية حصصاً أسهمية في رأس مالها. وكان رد فعل الأسواق فورياً: إذ قفزت أسهم شركات الكم المدرجة في البورصة ذلك اليوم من الخميس. غير أن القصة الجوهرية لا تكمن في تحركات البورصة خلال فترة ما بعد الظهر، بل تكمن فيما تكشفه بنية العملية عن طبيعة إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة ورأس المال الخاص في التقنيات التي لا تُدرّ بعدُ أرباحاً مستدامة.

أما ما يُعقّد هذه الرواية ويُضفي عليها كثافةً سياسية، فهو أن إحدى الشركات المستفيدة على الأقل من هذه الحزمة تربطها صلات بجماعات مرتبطة بإدارة ترامب. وكانت صحيفة فايننشال تايمز الأولى في رصد هذا الجانب. وهذا لا يحوّل البرنامج تلقائياً إلى وسيلة للمحاباة السياسية، لكنه يعرّضه لتدقيق مستمر سيُلازم كل صرف من صرفاته خلال الأرباع المالية القادمة.

لماذا أخذت الحكومة أسهماً بدلاً من توزيع الدعم المالي فحسب؟

إن الفرق بين المنحة المالية والمشاركة الرأسمالية ليس فنياً بحتاً. إنه فرق سياسي واقتصادي في آنٍ معاً. حين تمنح الحكومة دعماً مالياً، فإنها تُحوّل المخاطر إلى كاهل دافع الضرائب دون أن تستوعب إمكانية الاسترداد في حال نجاح الرهان. أما حين تأخذ حصةً في رأس المال، فإنها تُصبح طرفاً ذا مصلحة في نجاح الشركة، مع حقوق في الحصول على المعلومات، وإمكانية التأثير في القرارات الاستراتيجية، وإمكانية -نظرياً- استرداد ما صرفته مع عائد ربحي.

لهذه الخطوة سابقة صناعية واضحة: إنها المنطق ذاته الذي طُبّق جزئياً في إنقاذ المصارف عام 2008، والذي لجأت إليه دول أوروبية عديدة خلال جائحة كوفيد لدعم شركات الطيران والقطاعات الاستراتيجية. ما يختلف في الحالة الكمومية هو أن الحكومة لا تُنقذ شركات في ضائقة، بل تبني مواقع في شركات في مرحلة مبكرة من النضج التكنولوجي. إنها سياسة صناعية هجومية لا دفاعية. والفارق في المنطق جوهري.

بالنسبة لـIBM، فإن المبلغ ليس هامشياً. فمليار دولار موجّه نحو شركتها التابعة الكمومية في ألباني يُرسّخ منصةً للأجهزة والخدمات كانت الشركة تُسوّقها بالفعل عبر IBM Quantum. والأثر ليس مالياً فحسب: إنه يُرسل إشارة للعملاء المؤسسيين والسياديين بأن هذه البنية التحتية تحظى بدعم حكومي طويل الأمد، مما يُقلص المخاطر المُدركة لمن يُراهن على تلك المنصة كمورّد. وفي الأسواق التي لا يزال فيها الغموض التكنولوجي يُعيق اعتماد هذه الحلول، فإن ذلك الدعم يساوي من الناحية العملية ما يساويه رأس المال ذاته.

بالنسبة لـGlobalFoundries، يحمل المال غرضاً أكثر بنيوية. تتطلب التقنيات الكمومية عمليات تصنيع متخصصة، ومواد مبردة إلى درجات حرارة شديدة الانخفاض، وتغليفاً بالغ الدقة. لا تُبنى أيٌّ من هذه القدرات في غضون عامين، ولا يمكن ارتجالها في ظل ضغوط جيوسياسية متصاعدة. فبتعزيز قدرات مصنّع أشباه الموصلات ذي التوجه الاستراتيجي، فإن الحكومة تشتري سيادةً في التصنيع، لا مجرد قدرة تقنية.

أما حالة D-Wave وRigetti وIonQ، فمختلفة. إنها شركات مدرجة في البورصة بإيرادات لا تزال متواضعة، ومضاعفات تقييم تخصم مستقبلاً قد يتحقق بعد خمس أو عشر أو خمس عشرة سنة. إن الدعم الفيدرالي لا يُسرّع الفيزياء الكمومية بالضرورة، لكنه يُقلّص مخاطر التمويل في صناعة يتجاوز فيها دورة النضج بكثير صبرَ رأس المال الخاص في المتوسط. هذا يمثل قيمة حقيقية لاستمرارية عمل تلك الشركات، حتى لو لم يُغيّر الأفق التقني بمرسوم.

الهندسة السياسية التي تُعقّد البرنامج

إن كون إحدى الجهات المستفيدة تربطها صلات بمجموعات قريبة من إدارة ترامب يُدخل متغيراً لا يمكن تجاهله في التحليل، وإن كان لا ينبغي المبالغة فيه في غياب معلومات موثقة عن حجم تلك المبالغ وطبيعة تلك الصلات. أما ما يمكن قراءته من بنية القضية فهو النمط السياسي الذي يتشكّل.

حين تتعرّض عملية اختيار المستفيدين من برنامج للسياسة الصناعية لتشكيكٍ في معايير الإسناد، فإن الضرر لا يقع على ذلك البرنامج المحدد فحسب. بل يقع على شرعية الأداة ذاتها. إن السياسة الصناعية تعمل حين تتوافر لها مصداقية تقنية وشفافية في الإجراءات. بغير هذين العنصرين، تتحول إلى ناقل لتركيز الريع لصالح الجماعات المتصلة بمراكز القرار، مما يُنخر تحديداً المنطق المصلحي الوطني الذي يُستحضر لتبريرها.

وللولايات المتحدة تجربة مريرة مع ذلك التدهور. فقضية Solyndra إبان إدارة أوباما —حيث مُنح قرض فيدرالي بقيمة 535 مليون دولار لشركة ألواح شمسية أشهرت إفلاسها عام 2011— خلّفت ندوباً في النقاش حول الدعم الصناعي ظلت سنوات حتى التأمت. ليس لأن الأداة كانت خاطئة بالمطلق، بل لأن اختيار المستفيد المحدد والإشراف عليه لم يصمدا أمام التدقيق اللاحق.

يمتلك برنامج الكم لعام 2026 شروطاً مختلفة: شركات مدرجة في البورصة وملزمة بمتطلبات الإفصاح، وقطاع تتضح عقلانيته التقنية بصورة أجلى، ومبالغ موزعة بين أطراف متعددة. لكن وجود جهة واحدة على الأقل ذات صلة سياسية يُلزم الكونغرس برصد عملية الاختيار بمستوى من التفاصيل قد يُبطئ الصرف ويُفضي إلى احتكاكات مؤسسية. وهذه الاحتكاكات لها تكاليف حقيقية على الشركات التي تنتظر رأس المال.

وفي قطاع يمكن أن يكون فيه كل ربع مالي حاسماً للاحتفاظ بالمواهب الباهظة التكلفة أو استكمال دورات البحث والتطوير الحرجة، فإن الغموض التنظيمي والسياسي ليس مجرد ضجيج خلفي: إنه متغير تشغيلي فعلي.

ما يكشفه تحرك واشنطن عن سباق الكم العالمي

لفهم حجم ما يجري، يستحق الأمر وضع البرنامج الأمريكي في سياق الخريطة التنافسية. فقد أطلق المملكة المتحدة برنامجها الوطني لتقنيات الكم عام 2014، وراكمت ما يقارب مليار جنيه إسترليني من الاستثمار العام على مدى عقد من الزمن، وجرى توجيهها عبر مؤسسات من قبيل مجلس أبحاث الهندسة والعلوم الفيزيائية، ومختبر الفيزياء الوطني، ووحدات الدفاع والاستخبارات. وكان حجم العائد لافتاً: إذ استقطبت 173 مليون جنيه من صندوق Quantum Challenge أكثر من 200 مليون إضافية من رأس المال الخاص، مما يُؤكد أن المال العام يعمل كمحفّز للقطاع الخاص حين تكون الانتقاء والإشارات ذات مصداقية.

أما الاتحاد الأوروبي، فيُشغّل برنامجه الكمي الرائد Quantum Flagship بأفق زمني يمتد لعقد كامل. وقد أعلنت الصين أن الحوسبة الكمومية أولوية استراتيجية دولتية. في هذا السياق، فإن الرهان بـ2000 مليار دولار ليس كرماً: إنه استجابة لسرعة تراكم الأطراف السيادية الأخرى مواقعها في تقنية ستُعيد، حين تنضج، رسم ملامح التشفير، وتحسين سلاسل التوريد، وتصميم المواد، وأبعاد متعددة من اللوجستيات الحسابية على المستوى الصناعي.

إن أكثر ما يكشفه البرنامج دلالةً ليس المبلغ بل البنية. فكون الحكومة تأخذ حصصاً في رأس المال يعني أن واشنطن قررت أن السوق الخاصة، بمفردها، لا تستطيع تمويل الأفق الزمني اللازم لإيصال هذه التقنية إلى مرحلة النضج بالسرعة الكافية والتوجه الاستراتيجي الوطني المطلوب. إنه اعتراف ضمني بأن معدل الخصم لدى رأس المال الخاص يتعارض مع أطر الزمن في الفيزياء الكمومية. وهذا ليس انتقاداً للسوق: إنه وصف لحدوده البنيوية في القطاعات التي تستلزم أفقاً بعيد المدى.

ما تبنيه الولايات المتحدة، بكل توتراتها الداخلية المتضمَّنة، يشبه أقل ما يكون دعماً تكنولوجياً، ويشبه أكثر موقفاً سيادياً في البنية التحتية الحسابية للدورة الصناعية المقبلة. إن أُديرت تلك الموقف بشفافية ومعايير تقنية صارمة، فإن البرنامج قد يُصبح المعادل الكمومي لنظام الطرق السريعة بين الولايات في الخمسينيات: بنية تحتية عامة تُتيح عقوداً من النشاط الخاص. وإن أفسدها الاستيلاء السياسي، فستترك ديناً بلا عائد وصناعةً أكثر ارتياباً في الدولة بوصفها شريكاً. والفارق بين هذين المآلين لا تُحدده التكنولوجيا. يُحدده الجودة المؤسسية للعملية.

مشاركة

قد يعجبك أيضاً