القياس من أجل التوسع: المشكلة التي تعيق الذكاء الاصطناعي المؤسسي
قبل عامين، كان معظم المديرين التنفيذيين الذين أعرفهم يتجادلون حول أيّ نموذج لغوي ينبغي اختياره. أما اليوم، فإن أولئك الذين اتخذوا هذا القرار بالفعل —ومع ذلك لا يستطيعون تبرير جولة ثانية من الاستثمار— باتوا يدركون أن المشكلة لم تكن يوماً في النموذج. كانت المشكلة في القياس.
يمضي القطاع المؤسسي سنوات عدة في تبنّي الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة. فوفقاً لمؤسسة ماكنزي، فإن 88% من المنظمات قد دمجت الذكاء الاصطناعي في وظيفة تجارية واحدة على الأقل. غير أن ثلثها فحسب بدأ في توسيع نطاقه بصورة منتظمة ومتسقة. هذه الهوّة —بين التجريب والتوسع— ليست هوّةً تقنية. إنها هوّة تنظيمية، مصدرها محادثة أحجمت معظم الفِرَق التنفيذية عن خوضها بدقة: ماذا يعني، من الناحية التشغيلية والمالية، أن يكون هذا النظام ناجحاً؟
في Sustainabl، نرصد منذ فترة طويلة كيف تبني الشركات حججها الاستثمارية في مجال الذكاء الاصطناعي. وما نلاحظه في أغلب الأحيان ليس عجزاً تقنياً. بل هو تشوش في المستويات: تُقاس ما يُسلّمه المورد —درجات في اختبارات معيارية موحّدة، ودقة في بيئة المختبر، وتصنيفات مقارنة— بينما يُهمَل قياس الشيء الوحيد الذي يحتاج مجلس الإدارة إلى رؤيته: ما الذي تغيّر فعلياً في مسار الأعمال؟
فخ المعايير المرجعية وما يكشفه عن القيادة
حين يُقيّم فريق تنفيذي نماذج الذكاء الاصطناعي بمقارنة درجات المعايير المرجعية، فإنه يكرر خطأً ارتكبه عالم التكنولوجيا مع الخوادم في تسعينيات القرن الماضي: شراء المواصفات بدلاً من النتائج. المشكلة ليست في أن المعايير المرجعية عديمة الجدوى. بل في أنها تجيب على سؤال مختلف تماماً.
تقيس المعايير المرجعية مدى قدرة النموذج على إنجاز مهام موحّدة، في ظروف محكومة، مع بيانات لا علاقة لها بالتدفقات الفعلية لشركتك، ولا بقاعدة معرفتك المملوكة، ولا بحالاتك الحدّية الخاصة. ما يجري في بيئة الإنتاج —بالبيانات التي تمتلكها، والعمليات القائمة بالفعل، والمستخدمين الذين يتفاعلون يومياً— قد يختلف عن تلك المقاييس بفارق يتراوح بين 15 و25 نقطة مئوية. هذه الفجوة ليست تفصيلاً تقنياً. إنها المسافة الفاصلة بين وعد المورد ونتيجة الأعمال الفعلية.
ما يستأثر باهتمامي هنا ليس هندسة النموذج. ما يستأثر باهتمامي هو ما تكشفه هذه الحيرة عن آليات عمل المنظمات حين تواجه تكنولوجيا جديدة. ثمة نمط متكرر: في مواجهة الغموض، تميل القيادة إلى تفويض معيار النجاح إلى المجال التقني. فيُتبنّى مصطلحات المهندسين —الدقة، والاسترجاع، ودرجة F1— دون ترجمتها إلى لغة الأعمال. وهذا لا يحدث لأن القيادة عاجزة. يحدث لأن أحداً لم يرد خوض المحادثة الصعبة المتعلقة بتحديد معنى الفشل في هذا الاستثمار.
لهذه المحادثة ثمن فعلي. حين يبلغ مشروع الذكاء الاصطناعي التسعين يوماً دون أن يتمكن من إظهار أي حركة في أيٍّ من المؤشرات التشغيلية، يتحول النقاش إلى سجال سياسي قبل أن يصبح تحليلياً. تتمسك كل وحدة بتفسيرها الخاص، ولا يريد أحد تحمّل مسؤولية النتيجة، ويستمر المشروع بفعل القصور الذاتي أو يُلغى من باب الإحباط. وكلا المآلين قابل للتفادي لو أن الفريق التنفيذي حدّد منذ البداية —قبل اختيار النموذج، وقبل انتقاء المورد— أي مؤشرات الأعمال ستتحرك وبأي مقدار.
ما يحتاج مدير مالي إلى سماعه
ثمة اختبار أطبّقه ذهنياً حين أراجع مقترحات الاستثمار في الذكاء الاصطناعي: أتخيّل المدير المالي يقرأ الحجة التجارية بعد اثني عشر شهراً من النشر. إن كان المستند لا يستطيع إظهار سوى أن النموذج حصل على 93% في معيار مرجعي للاستدلال، فإن المشروع في خطر. ليس لأن هذا الرقم لا قيمة له، بل لأنه لا يجيب على أيٍّ من الأسئلة التي يطرحها مدير مالي حين يُجيز ميزانية السنة الثانية.
الأسئلة الحقيقية هي: كم انخفض وقت معالجة الحالة؟ وكم تحسّنت معدلات الحل عند أول تواصل؟ وكم بلغت تكلفة كل تفاعل مدعوم بالذكاء الاصطناعي مقارنةً بالتفاعل اليدوي الكامل؟ وكم من الوقت احتاجه الوكلاء الجدد للوصول إلى مستوى تشغيلي مقبول؟ هذه المقاييس لا يُسلّمها النموذج. تُسلّمها البنية الشاملة للنظام: جودة البيانات، وتصميم استرجاع المعلومات، وكمون التكامل، وآليات الرقابة. النموذج ليس سوى متغير ضمن هذا النظام، وفي أغلب الأحيان لا يكون المتغير الأكثر تأثيراً.
ما يُقاس في بيئة الإنتاج، في مواجهة البيانات الخاصة بالشركة ومع الحالات الحدّية الفعلية للأعمال، هو ما يُحدد ما إذا كانت الحل يُسلّم قيمة حقيقية. فنموذج أكثر تواضعاً، لكنه معايَر بصورة أفضل وفق قاعدة المعرفة المحددة والأنماط اللغوية للعميل، قد يتفوق باستمرار على نموذج أكثر تطوراً لم يُضبَط قط لهذا السياق. رأيت هذا يحدث في مراكز الاتصال في قطاع الخدمات العامة: النموذج "الفائز" في المعيار المرجعي انتهى به المطاف أن حلّ محله نموذج أبسط كان أداؤه أفضل في استفسارات العملاء الفعلية.
التداعية مباشرة وصريحة: ينبغي أن يُعامَل النموذج باعتباره مكوّناً قابلاً للاستبدال، لا هوية المشروع. فالمنظمات التي تصمم بنيتها التحتية بهذا المنطق —بفصل طبقة النموذج عن طبقة التطبيق— تستطيع استبدال نموذج دون تفكيك الحل بأسره. أما تلك التي لا تفعل ذلك فتجد نفسها أسيرة تبعية تقنية تُكلّف غالياً عند أي تحسين مستقبلي.
إطار عمل من ثلاث طبقات يصمد أمام الدورات الميزانية
بعد رصد عمليات نشر متعددة في قطاعات صناعية وخدمية شتى، يتبيّن أن بنية القياس الأكثر متانةً واستدامة ليست الأكثر تعقيداً. بل هي الأكثر وضوحاً وقابليةً للقراءة على امتداد سلسلة القيادة بأسرها، من الفريق التقني وصولاً إلى مجلس الإدارة.
تقيس الطبقة الأولى الدقة في بيئة الإنتاج: أي نسبة من النتائج التي يولّدها النظام صحيحة دون الحاجة إلى تدخل بشري للتصحيح، مقيسةً في مواجهة البيانات الفعلية للشركة وحالاتها المتطرفة. ليس الدقة التي يُفصح عنها المورد، بل تلك التي تنبثق من التفاعلات الحقيقية مع المستخدمين والخبراء الداخليين.
تقيس الطبقة الثانية الكفاءة التشغيلية: هل انخفض وقت إدارة الحالات؟ وهل تحسّنت معدلات الحل؟ وهل تراجعت معدلات التصعيد؟ هذه هي المقاييس التي تبرر الاستمرار. فعملية النشر التي لا تستطيع إظهار حركة في مؤشر واحد على الأقل من هذه المؤشرات خلال التسعين يوماً الأولى، يعاني من خلل ما في نقطة ما من البنية التقنية، والانتظار طويلاً لاكتشاف ذلك لا يزيد إلا في تكلفة التصحيح.
تقيس الطبقة الثالثة الأثر المالي: تكلفة التفاعل المدعوم بالذكاء الاصطناعي مقارنةً بالتفاعل اليدوي الكامل، وفترة استرداد الاستثمار، والوفورات القابلة للإسناد. هذه هي الطبقة التي تحوّل المشروع إلى أصل حقيقي ضمن ميزان القرارات التنفيذية. وبدونها، تظل محادثة الذكاء الاصطناعي حكراً على عالم المتحمسين للتكنولوجيا، لا على عالم من يُخصّصون رأس المال.
ما يجعل هذا الإطار ناجعاً ليس تعقيده. بل كونه يُرغم المنظمة على خوض محادثة التعريف قبل النشر. تحديد ثلاثة إلى خمسة مؤشرات أعمال محددة لكل حالة استخدام، قبل اختيار النموذج أو المورد، ليس تمريناً منهجياً. إنه إشارة على أن القيادة تفهم ما تلتزم به وبأي معيار ستحكم على ما إذا كان قد تحقق.
من يقيس بإتقان يتوسع، ومن لا يقيس يُعيد المحاولة بلا اتجاه
يُضفي السياق التنظيمي إلحاحاً مضاعفاً على هذه المحادثة. فاللوائح الأوروبية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، السارية منذ أغسطس 2024 مع نطاق تطبيق موسّع يبدأ من أغسطس 2026، تشترط على المنظمات ألا تكتفي بنشر أنظمة الذكاء الاصطناعي، بل أن تكون قادرة على إثبات أن هذه الأنظمة تعمل ضمن معاملات محددة وقابلة للتدقيق وخالية من التمييز. وهذا أمر متعذر بدون بنية تحتية فعّالة للقياس. فالشركات التي تمتلك بالفعل لوحات متابعة للمؤشرات التشغيلية هي —دون أن تقصد— في وضع أفضل لاستيفاء متطلبات الحوكمة القادمة.
بيد أن حجة الالتزام التنظيمي هي الحد الأدنى. الحجة الجوهرية هي حجة النضج المؤسسي.
الشركات التي تنجح في توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي ليست بالضرورة تلك التي اختارت أفضل نموذج. بل هي التي بنت منهجية القياس والضبط وإيصال النتائج بدقة كافية للحفاظ على الدعم الداخلي عبر الزمن. تستلزم هذه المنهجية أن يتحمّل أحد أعضاء الفريق التنفيذي مشقّة القول: "لا نعلم بعد ما إذا كان هذا يعمل لأننا لم نُحدد في الوقت المناسب ما الذي كان يعني نجاحه."
ثمة منظمات لم تجرِ فيها هذه المحادثة قط، إما لأن أحداً من المديرين لم يرد أن يكون من يشكك في حماس الفريق، أو لأن المشروع التجريبي وصل مثقلاً بضجيج سياسي بات معه من الصعب على أحد أن يجرؤ على اقتراح معايير واضحة للفشل. والنتيجة هي ما نراه كثيراً: مشاريع تستمر في دوامة تكرار لا هدى له، مع فرق تقنية تُحسّن مقاييس لا يستطيع أحد في اللجنة التنفيذية تفسيرها، وقادة يوافقون على ميزانيات إضافية خشية الاعتراف بأن الاستثمار الأول لم يُسلّم ما وعد به.
الذكاء الاصطناعي لا يحل هذه المشكلة. بل يُضخّمها. نظام يُولّد مئات الآلاف من التفاعلات أسبوعياً يُضخّم القيمة والخطأ معاً على حدٍّ سواء. فإذا كنت لا تعرف ما الذي تقيسه، فلن تعرف كذلك ما الذي تُضاعفه.
سيتحسن النموذج دائماً. سيُطلق الموردون إصدارات أكثر قدرةً في دورات أقصر وأقصر. ما لا يتغير من تلقاء نفسه هو قدرة المنظمة على وضع معايير واضحة قبل الإقدام على الفعل، وقياس ما يجري بأمانة، والتكيّف دون الحاجة إلى إعادة بناء المشروع من الصفر. هذا لا يُسلّمه أي نموذج. يبنيه القيادة، أو لا يبنيه أحد.











