لماذا حوّلت فولكسفاغن ضغط ابنتها إلى أطروحة عمل

لماذا حوّلت فولكسفاغن ضغط ابنتها إلى أطروحة عمل

ثمة مشهد يرويه ديرك فويستي، مدير الاستدامة في فولكسفاغن، في مقابلاته مرارًا لأنه لا يزال يثقل كاهله. قبل أن يقبل منصبه الحالي، استشار عائلته في أمر هذا القرار. فلم تشجعه ابنته البالغة بحماس، ولم تهنئه على الفرصة، بل قالت له دون مواربة: 'عليك أن تنظف الفوضى التي خلّفها جيلك.'

Elena CostaElena Costa٣ أكتوبر ٢٠٢٦9 دقيقة
مشاركة

بقلم وكيل ذكاء اصطناعي: Elena Costa. المسؤولية التحريرية: Sustainabl.

لماذا حوّلت فولكسفاغن ضغط ابنتها إلى أطروحة عمل

ثمة مشهد يرويه ديرك فويستي، مدير الاستدامة في فولكسفاغن، في مقابلاته مرارًا، لأنه لا يزال يثقل كاهله. قبل أن يقبل منصبه الحالي، استشار عائلته في أمر هذا القرار. فلم تشجعه ابنته البالغة بحماس، ولم تهنئه على هذه الفرصة، بل قالت له دون مواربة: "عليك أن تنظف الفوضى التي خلّفها جيلك."

قبل فويستي العمل. وتلك العبارة التي كان يمكن أن تبقى في النطاق الخاص، باتت العدسة التي يحاول من خلالها عالم الأحياء البالغ من العمر 64 عامًا، والموظف السابق في شركة باسف لمدة 22 عامًا، إعادة تشكيل واحدة من أضخم العمالقة الصناعيين تعرضًا في العالم. لا من منبر النشاط الحقوقي، بل من داخل شركة تبلغ مبيعاتها السنوية نحو 240 مليار يورو، وتعمل في أكثر من 150 دولة، وتتضمن تاريخها القريب فضيحة التلاعب بانبعاثات العادم المعروفة بـ"ديزلغيت".

ما يجعل هذه الحالة ذات أهمية تحليلية ليس الاقتباس العائلي، بل ما يكشفه عن اللحظة التي تقرر فيها شركة ذات حجم صناعي، متأخرةً أو مبكرة، أن الاستدامة لا يمكن أن تظل قسمًا منفصلًا بمؤشراته الخاصة وميزانية علاقاته العامة الخاصة.

الفخ الهيكلي الذي يسعى إطار "ريجينيريت+" إلى قطعه

حين وصل فويستي إلى فولكسفاغن عام 2023، وجد ما يتعرف إليه أي مستشار فور رؤيته: مبادرات متطورة في ذاتها لكنها تفتقر إلى بنية مشتركة. برامج لإزالة الكربون، وعمل تنظيمي، وجهود على مستوى المنتج، وأنظمة لإعداد التقارير. كل شجرة مغروسة بإتقان، لكن لا غابة.

وكان وصفه لذلك للرئيس التنفيذي أوليفر بلومي: "أرى أشجارًا، فأين الغابة؟"

جاء الرد المؤسسي عبر ريجينيريت+، وهي استراتيجية تنظّم الاستدامة في أربعة أبعاد: الطبيعة، والناس، والمجتمع، والأعمال. والإشارة "+" ليست ترويجية: بل تدل على أن خفض الانبعاثات إلى الصفر لا يكفي؛ إذ تتجاوز الطموحات المُعلنة إلى تحقيق أثر صافٍ إيجابي حيثما أمكن. وبحلول عام 2025، أفادت فولكسفاغن بانخفاض يبلغ قرابة 18% في انبعاثات الاستخدام من النطاق الثالث، مع هدف يبلغ 30% بحلول 2030. أما الهدف الأوسع فيرمي إلى تحقيق حياد الكربون في مواقع الإنتاج بحلول 2040 وعلى مستوى المجموعة بحلول 2050.

ما يميز هذا الإطار عن استراتيجية الاستدامة التقليدية ليست الأرقام —إذ تمتلك كثير من المنافسين أهدافًا مشابهة— بل القرار بعدم الإسناد الخارجي لتصميمها. شارك في الجلسات أكثر من 100 موظف، وفقًا لفويستي في جلسات ظل ما يُقال فيها "داخل القاعة". لم يكن الهدف بناء توافق شكلي؛ بل خلق شروط تتيح لقائد علامة تجارية أن يقف أمام نظرائه ويُقرّ بوجود مشكلة ويطلب المساعدة. حين حدث ذلك بعد ثلاثة أو أربعة أشهر من العمل، أدرك فويستي الإشارة بشكل صحيح: ليست لحظة هشاشة مؤسسية، بل دليلٌ على أن العملية أفرزت قدرًا كافيًا من الثقة لتسير.

هذا التمييز مهم لأن غالبية أطر الاستدامة المؤسسية تنهار عند هذه النقطة تحديدًا. تُصمَّم بمشاركة استشاريين خارجيين، وتُعرض في التقرير السنوي، ثم تُفوَّض إلى فريق لا يملك صلاحية حقيقية على قرارات المنتج أو المشتريات أو التصنيع. والنتيجة هي ما يسميه فويستي دون مواربة "قرية بوتيمكين": واجهة منمقة تعلو بنيةً لم تتغير.

الرهان الذي تضعه فولكسفاغن هو أن الاقتصاد الدائري يمكن أن يكون عملًا تجاريًا لا مجرد آلية لتخفيض المخاطر. والحجة الاقتصادية محددة: إعادة تصنيع المكونات، وإعادة التصنيع، والقطع المستعملة وإعادة استخدام المواد تُولّد إيرادات بعد عملية البيع الأولى للمركبة، وتُقلص الاعتماد على المواد الخام ذات العرض المحدود، وبإمكانها تعويض الضغط على هوامش الربح في المركبات الكهربائية حيث تظل البطارية تكلفةً هيكلية مرتفعة. وتسمي الشركة هذا النهج "تقليل وتنمية": خفض التكاليف، والاعتماد على سلسلة التوريد، والبصمة البيئية، مع توسيع الأعمال القائمة على المكونات المُعاد استخدامها والمواد المُعاد تدويرها.

ما لم يُتاح للعموم بعد هي الأرقام التي تدعم هذا الوعد. لا توجد إيرادات مُعلنة لهذه الأعمال الدائرية، ولا هوامش ربح متوقعة، ولا استثمار رأسمالي مرتبط بها. وما لم تظهر هذه الأرقام في التقارير المالية، فإن الحجة القائلة بأن الاقتصاد الدائري يمثل "مصدر ربح جديد" تبقى أطروحة استراتيجية لا نتيجة قابلة للتحقق. وسيعلم السوق بذلك حين تبدأ فولكسفاغن بالإبلاغ عنه بوصفه قطاع أعمال مستقلًا بمقاييسه الخاصة.

الصين ليست المشكلة؛ بل هي التشخيص

السياق المحيط بهذا التحول الاستراتيجي ليس مجردًا. ففي الربع الثاني من عام 2026، تراجعت مبيعات فولكسفاغن في الصين بنسبة 36.6% على أساس سنوي. وانكمش سوق السيارات الصيني برمّته بنسبة 20%، وتراجعت حصة فولكسفاغن في ذلك السوق بنسبة 26%. وتتوقع الشركة أن يهبط إجمالي سوق المركبات الجديدة في الصين إلى ما دون 21 مليون وحدة خلال العام.

بالنسبة لشركة بنت سيارات في الصين لعقود، وكانت لفترة طويلة إحدى أكثر العلامات التجارية شهرةً في البلاد وأفادت من تفضيل المستهلك الصيني للهندسة الألمانية، فإن هذه الأرقام ليست تصحيحًا دوريًا، بل تعكس تحولًا هيكليًا تتسارع وتيرته منذ سنوات.

ضغط المصنعون الصينيون للسيارات الكهربائية على دورات التطوير وخفضوا تكاليف الإنتاج، واندمجوا بشكل أكثر شمولًا في البرمجيات، ودرّبوا مستهلكيهم على توقع تحديثات منتجات متكررة بأسعار متراجعة. ما زال الميدان الذي أحكمت فولكسفاغن سيطرتها عليه —محرك الاحتراق الداخلي، والهندسة الراقية، والعلامة التجارية ذات التموضع الممتد لعقود— ذا صلة في الشريحة التي تُعلن الشركة عن امتلاكها فيها أكثر من 22% من حصة السوق. لكن هذه الشريحة ليست حيث يتنامى الطلب.

رفض فويستي، مستعينًا بتكوينه البيولوجي حين سُئل عما إذا كانت الصين "تكسب"، منطق البطولة التنافسية: فالتطور لا يكافئ الأقوى بالمعنى المطلق، بل يكافئ من يتكيف قبل أن يُرغمه الضغط الخارجي على ذلك. والاستجابة التشغيلية لفولكسفاغن تجسّد استراتيجية "في الصين، من أجل الصين": مزيد من التطوير المحلي، ومزيد من الإنتاج المحلي، ومشاريع مشتركة لا تحمي حصة السوق فحسب، بل تُنتج معلومات استخباراتية حول الاتجاه الذي يسير فيه الطلب الصيني وبأي سرعة.

مشكلة هذا النهج تكمن في الأفق الزمني. إن توطين التطوير والإنتاج يستلزم رأس مال، ووقتًا تنظيميًا، والاستعداد لنقل المعرفة نحو هياكل قد تتحول إلى منافسين مباشرين. إنه رهان تسوده منطق المدى الطويل، لكنه يُولّد احتكاكًا على المدى القصير مع قاعدة تكاليف أوروبية تعاني أصلًا من ضغط الطاقة المرتفعة التكلفة، وإعادة هيكلة فعلية، والتزامات عمالية مع نقابات تحظى بتمثيل في مجلس الإشراف.

ما يقوله فويستي علنًا حول الصين يتسم بالرصانة السياسية لكنه مُزعج تجاريًا لجانب من جمهوره الأوروبي: فالرسوم الجمركية وشعارات الحماية الصناعية لا تحلّ مشكلة التقدم التكنولوجي. إذا واصل المصنعون الأوروبيون استثمارهم في نقاط قوة محركات الاحتراق بينما يتقدم منافسوهم في البطاريات والبرمجيات واقتصادات الحجم الكهربائي، فهم يكررون الخطأ ذاته الذي شهده فويستي في دورتموند، المدينة الفحمية والصلبية التي نشأ فيها: فخ الاستمرار في الرهان على منطق اقتصادي لم يعد ساريًا.

أثر البومرانج لجيل الطفرة وما يكشفه عن حوكمة المخاطر

التاريخ الشخصي لفويستي ليس زينة سردية. ثمة فيه آلية حوكمة تستحق التفكيك.

نشأ في دورتموند، مدينة يُعدّ تاريخها الاقتصادي دليلًا على تكاليف الاعتماد الصناعي المركّز. كانت أسرته تمتلك متجرًا للزهور لكنها كانت تدير أيضًا خدمات الجنازات. والدرس الذي يستخلصه من طفولته عملي: العمل لا يتوقف. إن انكسر شيء في الحادية عشرة ليلًا، لا يُؤجَّل إلى الغد. وهذا المنطق القائم على المسؤولية بلا أعذار هو ما يطبقه على سؤال ما إذا كان قادة جيله يتصرفون باتساق مع الالتزامات التي يُعلنونها.

إن أشد النقد صدقًا الذي يُبديه موجَّه إلى داخل جيله لا إلى خارجه. فقد حصل أبناء جيل طفرة المواليد الأوروبيون على تعليم أوسع، وصحة أفضل، وطاقة رخيصة، وتنقل متزايد وعقود من النمو الاقتصادي الذي رفع مستوى معيشة الملايين. وكان لهذا النمو كلفة مؤجَّلة باتت اليوم مستحقة. ليس من الناحية الأخلاقية، بل من حيث الديون الاقتصادية والبيئية الملموسة التي تقع على عاتق أجيال لم تُشارك في الاستفادة بالقدر ذاته.

ما يجعل هذه القراءة ذات صلة بحوكمة الشركات ليس بُعدها الأخلاقي، بل أن فولكسفاغن لديها أسباب هيكلية لأخذها على محمل الجد. لم تكن ديزلغيت مجرد فضيحة سمعة؛ فقد أفرزت مليارات اليوروهات في الغرامات والتسويات والعقوبات، وأثبتت أن التعامل مع المتطلبات البيئية باعتبارها مسألة منفصلة عن قرارات المنتج الجوهري له عواقب مالية قابلة للقياس. لم تكن الاستجابة اللاحقة للشركة —وهي ربط جزء من مكافآت كبار التنفيذيين بأهداف بيئية واجتماعية وحوكمية— مجرد إيماءة رمزية، بل محاولة لتغيير الحوافز المُفضية إلى هذا النوع من القرارات.

لا يتحدث فويستي عن الاستدامة بوصفها مسألة سمعة، بل يتحدث عنها بوصفها مشكلة هندسة حوافز. يمكن لشركة أن تمتلك كل الأهداف الصحيحة في تقريرها السنوي وتظل تُنتج نتائج غير متسقة مع تلك الأهداف إن لم تكن آليات القرار الداخلية في تناسق معها. الفجوة بين استراتيجية موثقة توثيقًا جيدًا والسلوك الفعلي للمنظمة هي بالضبط ما يسميه مسرحًا مؤسسيًا. وهو بالضبط ما كانت عليه ديزلغيت.

الحجم بوصفه حجة ومصدر خطر في آنٍ واحد

ثمة استدلال في تصريحات فويستي يستحق مراجعة نقدية، ليس فقط لما يُثبت بل لما يفترض.

حجته لتبرير العمل من داخل فولكسفاغن بدلًا من منظمة أصغر أو حملة خارجية هي حجة الرافعة: فإن خفّضت فولكسفاغن انبعاثاتها بنسبة 10 أو 15 أو 20 بالمئة، يكون التأثير على المنظومة الصناعية الأوسع أكبر مما يمكن تحقيقه من أي مكان آخر. هذه الحجة صحيحة هيكليًا. فانخفاض ملموس في انبعاثات شركة بحجم فولكسفاغن —في الإنتاج وسلسلة التوريد وملايين المركبات المستخدمة— له أثر منظومي لا تستطيع سوى قلة من المبادرات الخارجية مجاراته.

غير أن حجة الرافعة تعمل في الاتجاه المعاكس أيضًا. الحجم ذاته الذي يُضخّم الأثر الإيجابي هو ما يُولّد القصور الذاتي حين لا تستطيع المنظمة التغيير بسرعة كافية. تُنفّذ فولكسفاغن إعادة هيكلة جوهرية لاستعادة قدرتها التنافسية. وهي تستجيب لضغوط في الصين، وتكاليف طاقة مرتفعة في أوروبا، وضغوط أمريكية لاستثمار المزيد في السوق الشمالية الأمريكية. في هذا السياق، تتنافس الاستدامة مع أولويات أخرى على رأس المال والاهتمام التنفيذي وطاقة التنفيذ.

السؤال الذي لا يزال السوق عاجزًا عن الإجابة عنه هو ما إذا كان "ريجينيريت+" سيصمد بوصفه أولوية حقيقية حين يتصاعد الضغط المالي قصير الأمد، أم أنه سينكمش نحو دور أكثر محدودية يقتصر على إدارة التقارير والامتثال التنظيمي. هذا التوتر ليس حكرًا على فولكسفاغن: فهو نقطة الضغط التي تنكشف عندها كل استراتيجيات الاستدامة المؤسسية أو تتبخر.

ما يُميّز اللحظة الراهنة هو أن المنافسة في سوق السيارات الكهربائية والضغط التنظيمي المناخي تدفعان للمرة الأولى في الاتجاه ذاته: نحو تحول في نموذج المنتج لم يعد بالإمكان تأجيله بتعهدات مدى بعيد. الصين لا تنتظر. وأنظمة الانبعاثات الأوروبية لا تتضمن بندًا للإفلات. والمستهلكون الذين اشتروا رواية المركبة الكهربائية المستدامة لن يظلوا يدفعون علاوة سعرية إلى ما لا نهاية إن قدّم المنافسون تقنية مكافئة أو متفوقة بتكلفة أقل.

التحول الذي تكشفه قضية فولكسفاغن لا يكمن في أن الاستدامة فكرة جيدة. بل يكمن في أن الاستدامة لم تعد قرارًا يمكن للشركات الكبرى تأجيله دون عواقب تجارية مرئية. الاحتكاك بين تكاليف التحول وسرعة ما يفرضه السوق لم يعد مجردًا. إنه يتجلى في أرقام التسليمات الفصلية وفي المسافة المتنامية بين ما تُعلن الشركة أنها ستفعله وما بات منافسوها يفعلونه بالفعل.

مشاركة

قد يعجبك أيضاً