مئة مليار رمز مميز ولا مدير مالي واحد يعرف ما الذي اشتراه
صعد سام ألتمان إلى منصة فعالية OpenAI التجارية في الثاني من يونيو 2026 حاملاً إحصائية صُمِّمت لإبهار الحضور: فأكبر مستهلك داخلي للرموز المميزة في شركته يعالج ما يقارب مئة مليار رمز مميز شهرياً. ردّت القاعة بالطريقة المتوقعة. ثم أضاف ألتمان، في مرور شبه عابر، أن هذا الرقم لا يمثّل رقماً قياسياً عالمياً، إذ يوجد خارج OpenAI من يستهلك أكثر من ذلك. وفي تلك اللحظة، دون أن يقصد ذلك تماماً، وصف بدقة متناهية المشكلة التي تشقّ اقتصاد الذكاء الاصطناعي على المستوى المؤسسي: فقد نما الاستهلاك بسرعة فاقت كلاً من مخيّلة البائعين وقدرة المشترين على وضع الميزانيات.
وما جاء بعد الرقم كان أكثر كشفاً من الرقم نفسه. إذ اعترف ألتمان بأن التكاليف باتت ثاني أكثر شكوى يتكرر من عملاء OpenAI المؤسسيين. ووصف ميماً يتداوله كبار المديرين التنفيذيين بدقة تشخيصية تفوق أي تقرير تحليلي: "أنفقت الشركة ميزانية 2026 بأكملها في الربع الأول. هل يمكنكم جعله أكثر كفاءة؟" والسؤال الوارد في الميم ليس بلاغياً. إنه الحالة الراهنة لعشرات المنظمات التي دخلت العام بافتراضات إنفاق مبنية على أنماط عام 2025، لتكتشف أن النماذج الوكيلة (Agentic Models) تستهلك بوتيرة مختلفة تماماً.
قبل ست سنوات ونصف، كان المستخدم الأكثر نشاطاً لدى OpenAI يعالج نحو مئة ألف رمز مميز شهرياً. اليوم، يمثّل هذا الرقم المتوسط العالمي للفرد. أما المستخدم الداخلي الأكثر نشاطاً في الشركة فيستهلك مليون ضعف ذلك الرقم القياسي التاريخي. ويتوقع ألتمان أن يتكرر هذا التوسع مجدداً. وإن تحقق ذلك، فإن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي القائمة اليوم ستكون بالنسبة للسوق المستقبلية كما الآلة الحاسبة الجيبية بالنسبة لمركز بيانات ضخم. غير أن بين هذا التوقع والواقع التشغيلي للمشترين المؤسسيين هوّةً لا تسدّها وحدها أي شريحة عرض تُصوّر نمواً أسياً.
الميزانية بوصفها أول مؤشر على النضج التكنولوجي
ثمة نمط يتكرر في تاريخ التكنولوجيا المؤسسية بانتظام كافٍ ليُتخذ إطاراً مرجعياً: في كل مرة تنتقل فيها تقنية من كونها أداةً تجريبية إلى كونها إنفاقاً تشغيلياً مباشراً، يدخل القسم المالي على الخط ويغيّر قواعد اللعبة. مع البرمجيات السحابية حدث ذلك في منتصف عقد 2010. ومع البيانات والتحليلات المتقدمة جاء لاحقاً. أما مع الذكاء الاصطناعي الوكيل (Agentic AI)، فيحدث الآن، في عام 2026، وبسرعة فاجأت حتى كبار المديرين التنفيذيين في أرقى الشركات على وجه الأرض.
وأكثر الحالات توثيقاً هي حالة Uber. إذ استنفدت الشركة، وفقاً للتقارير، ميزانيتها المخصصة للذكاء الاصطناعي لعام 2026 بأكملها في غضون أربعة أشهر. وجاء رد الفعل التشغيلي فورياً: فُرض سقف قدره ألف وخمسمئة دولار شهرياً لكل موظف على أدوات البرمجة الوكيلة، بما فيها Claude Code وCursor. بيد أن التصريح الأكثر دلالة لم يصدر عن الرئيس التنفيذي بل عن رئيس العمليات أندرو ماكدونالد، الذي صرّح علناً بأن Uber لا تستطيع رسم خط مباشر بين هذا الإنفاق المتزايد على الرموز المميزة وتحسينات ملموسة لصالح المستخدمين النهائيين، لا السائقين ولا الركاب. هذه العبارة تُعدّ، من منظور بنية القيمة، إشارة إنذار من الدرجة الأولى. ليس لأن الإنفاق سيء في ذاته، بل لأنه يكشف أن دورة التغذية الراجعة بين الاستثمار والنتيجة لا تزال مفتوحة.
وألغت Microsoft معظم تراخيصها الداخلية لـ Claude Code قبل منتصف مايو، وأعادت توجيه مهندسيها نحو GitHub Copilot CLI قبل نهاية السنة المالية في الثلاثين من يونيو. القراءة السطحية تقول إن Microsoft تفضّل منتجها الخاص. أما القراءة الأدق فتقول إن Microsoft هي الأخرى واجهت تجاوزاً في ميزانية أدوات الذكاء الاصطناعي، فاختارت توحيد الإنفاق ضمن نطاقها الخاص قبل أن يستفحل الأمر. وحذفت Amazon جدول ترتيب الموظفين الداخلي لاستهلاك الرموز المميزة، بعد أن أوصى مسؤول تنفيذي رفيع المستوى الفريقَ بالتوقف عن استخدام الذكاء الاصطناعي من أجل الاستخدام في حد ذاته. كما فرضت Walmart، التي كانت قد منحت موظفيها رموزاً مميزة غير محدودة للوكيل الذكي الداخلي، قيوداً مماثلة.
هذا النمط ليس مصادفة ولا ذعراً مالياً معزولاً. إنه إشارة على أن القطاع المؤسسي قد تجاوز للتو العتبة التي تحوّل فيها الذكاء الاصطناعي من مشروع تجريبي بميزانية ابتكار إلى إنفاق تشغيلي ينافس باقي الإنفاق التشغيلي في إثبات العائد.
ما يكشفه استهلاك الرموز المميزة عن توزيع القيمة
خلف أرقام الاستهلاك تكمن بنية اقتصادية تستحق الدراسة بدقة. فكل رمز مميز يُستهلك يمثّل إيراداً لـ OpenAI أو Anthropic، وطلباً على الحوسبة من موردي الخدمات السحابية، ومسوّغاً للاستثمار في بنية تحتية للرقائق. من هذه الزاوية، يمثّل نمو مليون ضعف في ست سنوات ونصف تحديداً السردية التي تسند تقييمات شركات البنية التحتية ومنطق العقود الضخمة لمراكز البيانات.
غير أن هذه البنية ذاتها تتسم بتوزيع غير متماثل لا تعكسه أرقام الاستهلاك. فالشركات التي تدفع ثمن الرموز المميزة -Uber وMicrosoft وAmazon وWalmart- تتحمّل التكاليف التشغيلية للنمو، في حين تتمركز القيمة المُستحوذ عليها، من حيث الهوامش والملكية الفكرية على النماذج والقدرة على تحديد الأسعار، لدى موردي النماذج. هذا التفاوت ليس ظلماً بالضرورة من منظور السوق، لكنه يحمل تداعيات هيكلية على استدامة نموذج التبني الجماعي.
حين يقول رئيس العمليات في Uber إنه عاجز عن ربط الإنفاق على الرموز المميزة بتحسينات في المنتج، فهو يصف مشكلة عائد على الاستثمار تستلزم إن استمرت لا مزيداً من الرموز المميزة، بل إعادة تفاوض جذرية على بنية الإنفاق برمّتها. ويضيف الأمر تعقيداً أن Anthropic تجاوزت OpenAI في الإنفاق المؤسسي، وفق ما أقرّ به ألتمان نفسه، مما يعني أن التنافس بين النماذج يولّد تكاثراً في المنصات التي تتبناها فرق الهندسة بشكل متوازٍ، فتتضاعف التكاليف دون أن تتضاعف النتائج بالضرورة. أما التوحيد الذي تنفذه Microsoft داخلياً، بإلزام الموظفين باستخدام أداة واحدة، فهو استجابة عقلانية لهذه المشكلة، وإن غُلِّف بخطاب تفضيل المنتج الخاص.
وتوضّح حالة المطوّر الخارجي بيتر شتاينبرغر، الذي استهلك وفق التقارير ستمئة وثلاثة مليارات رمز مميز في ثلاثين يوماً، والموظف في OpenAI الذي كان يُزعم أنه استخدم مئتين وعشرة مليارات رمز مميز في أسبوع واحد، جانباً مختلفاً ومرتبطاً في آنٍ واحد. فحين يتجاوز الاستهلاك الفردي المتوسط العالمي بعدة مراتب، تبدأ نماذج الأسعار الثابتة أو شبه المغلقة في توليد إعانات متقاطعة لا تظهر في أي ميزانية، لكنها تُشوّه اقتصاديات الخدمة. فليس لكل الرموز المميزة التكلفةُ ذاتها في الإنتاج، ولا القيمةُ ذاتها بالنسبة لمن يستهلكها.
الحساب الذي لا يستقيم في نموذج التبني الجماعي
كانت السردية السائدة في القطاع منذ عام 2023 هي سردية التبني السلس: توفير وصول واسع، وإزالة حواجز الأسعار، وتصعيد الاستهلاك، ثم استيعاب القيمة لاحقاً من خلال الاعتماد والبيانات وتأثيرات الشبكة. نجح هذا النهج في بناء قواعد مستخدمين ضخمة. المشكلة أن قطاع المؤسسات يضمّ قيداً مضاداً لا يوجد عند المستخدم الفردي بالحدة ذاتها: مدير مالي ودورة ميزانية سنوية.
ووصف ألتمان تحوّل المواقف بأنه جاء "فجأة". ففي مطلع عام 2026، وفق كلماته هو، لم يكن أحد يكترث بالتكاليف، وكان الجميع مرتاحين لمستوى إنفاقهم. هذا الوصف الصادر عن الرئيس التنفيذي لأعلى شركة قيمةً في قطاع الذكاء الاصطناعي هو في حد ذاته تشخيص لكيفية بناء مرحلة التبني: دون أن يكون لدى المشترين وضوح كافٍ حول منحنى التكاليف الذي قبلوه ضمنياً حين شرعوا في توسيع الاستخدام الوكيل.
فالنماذج الوكيلة، على عكس روبوتات المحادثة التي تُجيب على الاستفسارات المفردة، تتسم بخاصية تجعلها مكلفة هيكلياً على نطاق واسع: إذ تنفذ المهام في سلاسل متتابعة، مما يعني أن كل خطوة في العملية تستهلك رموزاً مميزة، بما في ذلك الخطوات الوسيطة للاستدلال والتحقق وتصحيح الأخطاء. فالمهمة التي يحسمها الإنسان بقرار واحد قد تستلزم عشرات الاستدعاءات للنموذج قبل أن تُنتج نتيجة. لم يكن هذا المضاعف واضحاً في التجارب التجريبية ذات الاستخدام المعتدل. بات جلياً حين نشرت الشركات هذه الأدوات على نطاق مئات أو آلاف الموظفين في وقت واحد.
والنتيجة هوّة بين القيمة المتصوَّرة في مرحلة التجربة والتكلفة الفعلية في مرحلة التشغيل. وهذه الهوّة لا تُسدّ بتحسينات هامشية في الكفاءة. بل تستلزم إما نماذج تسعير مختلفة جذرياً، وإما مراجعة معمّقة لتحديد أي المهام تستحق أن تُعالجها وكلاء الذكاء الاصطناعي وأيها تُحلّ بتكلفة أقل عبر عمليات أبسط.
الدورة القادمة لن يربحها من يبيع أكثر الرموز المميزة
أبرز استنتاج يتبرز من تصريحات ألتمان والسلوك المتزامن لكبرى الشركات في العالم هو أن قطاع الذكاء الاصطناعي المؤسسي يدخل مرحلته الثانية. كانت المرحلة الأولى مرحلة تبنٍّ بدافع الحماس، بميزانيات ابتكار وتسامح عالٍ مع الغموض حول العائد. أما المرحلة الثانية فهي مرحلة تبنٍّ بدافع التبرير، حيث يتنافس الإنفاق على الذكاء الاصطناعي على الطاولة ذاتها مع الإنفاق على البنية التحتية والكوادر البشرية والعمليات، وعليه إثبات النوع ذاته من العائد القابل للقياس.
هذا التحوّل ليس سلبياً للقطاع في حد ذاته. لكنه يغيّر الرابح داخله. في المرحلة الأولى ربح من قدّم النموذج الأكثر قدرةً والتجربة الأكثر سلاسة. وفي المرحلة الثانية سيربح من يستطيع إثبات بدقة كم تكلّف كل نتيجة وكم تساوي. هذا يصبّ في صالح الموردين الذين يطوّرون أدوات المراقبة والتحكم في التكاليف وإسناد النتائج، لا في صالح من يرفع القدرة الخام للنموذج فحسب.
يتوقع ألتمان نمواً آخر بمقدار مليون ضعف في استهلاك الرموز المميزة. وإن تحقق هذا النمو دون أن تغدو بنية التكاليف أكثر شفافية وقابلية للضبط من قِبل المشترين، فلن يكون الناتج توسعاً مستداماً للسوق، بل سلسلة من التصحيحات الميزانية التي ستُجزّئ التبني. فالميم المؤسسي الذي اقتبسه ألتمان نفسه، عن الميزانية السنوية التي تُستنفد في الربع الأول، ليس طرفة لطيفة. إنه وصف دقيق للحد الهيكلي لنموذج تحقيق الدخل الحالي القائم على حجم الرموز المميزة، الذي ينمو في إيراداته للبائعين بالقدر الذي يولّد فيه ضغطاً غير مستدام على المشترين الذين يموّلونه.
والبنية التي ستتيح للمنحنيين أن يتعايشا دون أن يُلغي أحدهما الآخر لا تزال غائبة بوضوح. وريثما تتشكّل هذه البنية، سيكون كل رقم قياسي في استهلاك الرموز المميزة في آنٍ واحد بشرى سارة للبنية التحتية وإشارة تحذير لاستمرارية الإنفاق المؤسسي الذي يموّلها.












