الذكاء الاصطناعي التوليدي يصطدم بالحد الذي لا يريد أي مدير رؤيته

الذكاء الاصطناعي التوليدي يصطدم بالحد الذي لا يريد أي مدير رؤيته

ثمة رهان يتكرر في كل مجلس إدارة يتحدث منذ عامين عن الذكاء الاصطناعي: أن التكنولوجيا ستُمكّن أي محترف من أداء عمل أي شخص آخر، بجودة كافية لتبرير إعادة هيكلة المواهب. إنه رهان يبدو منطقياً على الورق. غير أنه، وفقاً لأدلة تجريبية جديدة، خاطئ جزئياً بطريقة تترتب عليها عواقب مباشرة على استراتيجية الموارد البشرية.

Valeria CruzValeria Cruz٢ مايو ٢٠٢٦8 دقيقة
مشاركة

الذكاء الاصطناعي التوليدي يصطدم بالحد الذي لا يريد أي مدير رؤيته

ثمة رهان يتكرر في كل مجلس إدارة تقريباً منذ ما يزيد على عامين من الحديث عن الذكاء الاصطناعي: أن هذه التقنية ستتيح لأي محترف أن يؤدي عمل غيره، بجودة كافية تبرر إعادة هيكلة المواهب وتوزيعها من جديد. إنه رهان يبدو مقنعاً على الورق. غير أنه، وفق أدلة تجريبية حديثة، خاطئ جزئياً بطريقة تحمل تداعيات مباشرة على استراتيجية إدارة الموارد البشرية.

أجرى باحثون من كلية هارفارد للأعمال وجامعة ستانفورد ومختبر الاقتصاد الرقمي في ستانفورد تجربة ميدانية في شركة IG، وهي شركة تقنية مالية بريطانية، اختبروا فيها تلك الفرضية بالذات. وقد كشفت النتائج عن نمط لا يستطيع القادة الذين يفترضون قابلية القوى العاملة للاستبدال الكامل أن يتجاهلوه.

التجربة التي كشفت الفجوة الخفية

كان التصميم بسيطاً بشكل مقصود. تلقّت ثلاث مجموعات من الموظفين المهمة ذاتها: أولاً، صياغة مفهوم مقال لموقع الشركة الإلكتروني، يشمل الهيكل والكلمات المفتاحية والنقاط المحورية؛ ثم كتابة المقال كاملاً. وكانت المجموعات الثلاث تمثل مستويات متباينة من القرب المعرفي بالمهمة: محللون في المحتوى الرقمي معتادون على إنتاج هذا النوع من المحتوى، ومتخصصون في التسويق يعملون في وظائف مجاورة لكنهم لا يكتبون مقالات بشكل معتاد، وأخيراً متخصصون تقنيون كعلماء البيانات ومطوري البرمجيات، الذين لا تربطهم أي صلة بإنتاج المحتوى. وقد حصل بعض المشاركين على أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي الخاصة بشركة IG، فيما عمل الآخرون من دونها.

جاءت نتائج مرحلة بناء المفهوم حاسمةً وواضحة. فبدون الذكاء الاصطناعي، تفوّق المحللون الرقميون على المجموعتين الأخريين بوضوح لا لبس فيه. أما مع الذكاء الاصطناعي، فقد أنتجت المجموعات الثلاث مفاهيم لا تكاد تختلف إحصائياً في جودتها. عملت الأداة بوصفها معادِلاً مثالياً في العمل التجريدي المنظّم، ذلك الذي يسير وفق قالب معقول يستطيع حتى غير المتخصص تقييمه. وحتى هذه النقطة، تحققت وعود التقنية كما يُراد لها.

أما في مرحلة التنفيذ، فقد تغيّرت الصورة جذرياً. نجح متخصصو التسويق المزوّدون بأدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج مقالات مماثلة في الجودة لما أنتجه المحللون الرقميون. في المقابل، لم يستطع المتخصصون التقنيون، رغم امتلاكهم أدوات مطابقة تماماً، بلوغ ذلك المستوى. وقد كشفت المقابلات التي أُجريت عقب التجربة عن الآلية الكامنة وراء ذلك: افتقر المتخصصون التقنيون إلى النموذج الذهني اللازم لتقييم جودة المخرجات الناتجة عن الذكاء الاصطناعي. فقد حذف أحد علماء البيانات عبارات الحث على اتخاذ الإجراء لأنه رآها غير ضرورية. وقصّر آخر مقالاته إلى ما دون الحد الأمثل لتحسين محركات البحث لأنه يميل إلى الإيجاز. وأقرّ أحدهم بصراحة نادرة: "أضفت أشياء عشوائية لتبدو وكأنها مواد تسويقية". لم يكن الأمر قصوراً في الكفاءة التقنية. بل كان بُعداً عن مجال الخبرة.

وقد أطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم "تأثير جدار الذكاء الاصطناعي التوليدي": وهو ذلك الحد الذي تعجز عنده الأداة عن ردم الفجوة بين الخبير وغير الخبير، بصرف النظر عن درجة تطورها.

ما يكشفه الجدار عن طريقة إدارتنا للمعرفة

لا يكمن الاكتشاف الأكثر إزعاجاً في بيانات التجربة ذاتها، بل في الاستنتاج المنبثق منها حول البنية التنظيمية: لسنوات طويلة، خلطت كثير من الشركات بين المهارة التقنية والمعرفة المتخصصة بمجال بعينه. وكان الذكاء الاصطناعي التوليدي يساعدها على الإبقاء على هذا الخلط وتغذيته.

لم يُخفق المتخصصون التقنيون في التجربة لأنهم لم يحسنوا استخدام الأدوات، بل لأنهم افتقروا إلى المعايير التي تمكّنهم من الحكم على جودة المخرجات. إن الفرق بين من يستخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء محتوى تسويقي فعّال ومن يعجز عن ذلك لا يكمن في الواجهة ولا في طريقة صياغة الأوامر. يكمن الفرق في معرفة ما الذي يجعل مقالاً ما قادراً على التحويل، ولماذا للنبرة التسويقية قيمة مضافة، وأي أطوال المحتوى تستجيب بشكل أفضل لخوارزميات محركات البحث. هذه المعرفة لا تنتقل عبر دورة تدريبية مكثفة في استخدام الذكاء الاصطناعي.

ما توثّقه التجربة، من الناحية التنظيمية، هو أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يعمل بكفاءة على المهام التي تتبع منطق التجريد المنظّم: الصياغة والتصنيف والتنظيم وتوليد الخيارات ضمن إطار محدد. وفي هذه المهام، يمكن أن يكون دور المستخدم ضئيلاً لأن للأداة من البنية ما يكفيها للعمل. أما التنفيذ عالي الجودة، فيستلزم ما يسميه الباحثون المعرفةَ الضمنية: تلك الأحكام الدقيقة التي يصدرها المحترف بشكل تلقائي حول النبرة والتوكيد والجمهور المستهدف والنية الاستراتيجية، والتي يستحيل تفويضها إلى أداة ما لم يكن المشغّل يمتلكها في داخله أصلاً.

لهذا تداعيات مباشرة على الطريقة التي تفكر بها الفرق القيادية في العائد على استثماراتها في الذكاء الاصطناعي. إذا نشرت شركة ما أدوات متطورة متوقعةً أن تتمكن قواها العاملة التقنية أو الإدارية من استيعاب أعمال كانت تخص سابقاً متخصصين في التسويق أو الاتصال أو التصميم، فإن النتيجة المرجحة ليست الكفاءة، بل مخرجات متدهورة لا يمتلك أحد في السلسلة المعرفةَ الكافية للكشف عنها. ولن تظهر التكلفة في مقياس إنتاجية فوري، بل ستظهر بعد ستة أشهر، حين يكون جودة المحتوى قد تراجعت، وتحسين محركات البحث قد ساء، وحين لا يستطيع أحد أن يشير بدقة إلى أين تحديداً وقعت المشكلة.

خطأ المواهب الذي يخفيه وهم الكفاءة

ثمة ديناميكية تنظيمية كامنة لا تسمّيها الدراسة صراحةً، غير أن التجربة ترسمها بدقة: النزعة لدى القادة نحو بناء استراتيجيات المواهب انطلاقاً من منطق خفض التكاليف، لا من منطق المسافة المعرفية بين الوظائف.

حين تقرر شركة ما أن بإمكانها، بفضل الذكاء الاصطناعي، إعادة توظيف أحد مطوري البرمجيات ليُنتج محتوى تسويقياً، فإن هذا القرار في الغالب لا يمر عبر تحليل يقيس المسافة المعرفية بين الوظيفتين. بل يمر عبر جدول بيانات يُظهر ساعات متاحة وميزانية تسعى إلى الترشيد. المشكلة ليست في المنطق المالي في حد ذاته؛ المشكلة أن هذا المنطق المالي يقوم على افتراضات قابلية الاستبدال التي جاءت تجربة IG لتدحضها.

يطرح مؤلفو الدراسة تمييزاً يبدو مفيداً للفرق القيادية: يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُيسّر الانتقال بين الوظائف المتجاورة، حيث توجد قاعدة معرفية مشتركة، لكن ليس بين الوظائف المتباعدة. فمنسّق تسويق يُعاد توجيهه نحو إنتاج المحتوى يمتلك السقالة المفاهيمية اللازمة لتقييم المخرجات التي يولّدها الذكاء الاصطناعي وصقلها. أما مطوّر برمجيات يقوم بالتحوّل ذاته، فلا يمتلك ذلك الرصيد، ولا تستطيع الأدوات المتاحة أن تمنحه إياه. وهذا الفرق ينبغي أن يكون محور أي قرار لإعادة التوزيع الوظيفي قبل أن يتحول إلى مشكلة مرئية.

أما التداعية الثانية، الأقل وضوحاً، فتتعلق بأوجه توظيف الشركات لميزانياتها التدريبية. اتجهت الموجة السائدة نحو تدريب الفرق على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي: كيفية صياغة الأوامر، وكيفية التكرار والتحسين، وكيفية دمج المخرجات في تدفقات العمل. هذا ضروري لكنه غير كافٍ. تشير الدراسة إلى أن عنق الزجاجة الحقيقي ليس الكفاءة التقنية في التعامل مع الأداة، بل المعرفة المتخصصة التي تُمكّن من الحكم على ما إذا كانت المخرجات جيدة. الاستثمار في الأولى دون الاستثمار في الثانية هو بناء السرعة من دون الاتجاه.

كذلك تفتح الدراسة قراءةً أكثر بنيوية: بقدر ما يُديمقراطي الذكاء الاصطناعي عمليتَي التصور والإبداع الأوليّ، ينتقل ثقل القيمة نحو التنفيذ عالي الجودة. وهذا التنفيذ سيظل دائماً رهيناً بالمعرفة المتراكمة، لا بتطور الواجهة. القادة الذين يدركون ذلك مبكراً سيُعيدون تنظيم استثماراتهم في المواهب وفقاً لذلك. أما الذين لا يدركونه، فسيظلون يقيسون أثر الذكاء الاصطناعي بمقاييس الانتشار والتبني، بينما يتدهور المخرج الحقيقي في صمت تام.

يُقاس نضج الفريق القيادي، في جملة ما يُقاس به، بقدرته على بناء مؤسسات يتدفق فيها المعرفة بصورة مقصودة، ولا يعتمد فيها أي نتيجة حاسمة على شخص بعينه أو أداة بعينها لحمايتها وصونها. وهذا يستلزم رسم خريطة صادقة لما تعرفه كل وظيفة، وكم تبعد عن الوظائف الأخرى، وكم هي مستعدة للتعاون مع أنظمة تُضخّم ما هو موجود بالفعل، لكنها تعجز عن ابتكار ما ليس موجوداً من عدم. المؤسسات التي تنجح في رسم تلك الخريطة والتصرف بناءً عليها لن تحتاج إلى أن يُمسك بها مدير بعينه. ستكون قد بنت النظام الذي يجعلها تتوسع وتنمو بذاتها.

مشاركة

قد يعجبك أيضاً