الشركة الناشئة بقيمة 250 مليون دولار التي تُحاسب Salesforce على بنائها فوق الرمال
في عام 1999، صمّمت شركة Salesforce نموذجاً للبيانات يلائم عالماً كانت فيه كل حركة تجارية تستلزم أن يفتح إنسان شاشةً ويكتب شيئاً ما. كان النظام في حينه إبداعاً متكاملاً: مركزةُ تسجيل العلاقات والصفقات والأنشطة في بنية معمارية يستطيع أي فريق مبيعات تشغيلها. وعلى مدى أكثر من عقدين، ظل ذلك التصميم العمود الفقري للتجارة بين المؤسسات. أما اليوم، فقد باتت تلك البنية ذاتها تتحول إلى أعظم نقاط ضعفها.
Actively AI، الشركة الناشئة التي أسّسها عام 2022 باحثان سابقان من جامعة ستانفورد، أغلقت للتو جولة تمويل من السلسلة ب بقيمة 45 مليون دولار، بقيادة مشتركة من TCV وFirst Harmonic، وبمشاركة Bain Capital Ventures وFirst Round Capital والداخل الجديد Alkeon Capital. وبلغت قيمة الشركة 250 مليون دولار، فيما ارتفع إجمالي تمويلها المتراكم إلى 68 مليون دولار. ويتوزع مخطط استخدام رأس المال على ثلاثة محاور: تطوير المنتج، والتوسع في قطاع المؤسسات الكبرى، وافتتاح مقر جديد في سان فرانسيسكو. وما تبنيه هذه الشركة الناشئة ليس أداة مبيعات محسّنة؛ إنه رهان صريح على أن النموذج التشغيلي لإدارة علاقات العملاء الكلاسيكي قد استنفد دورته الكاملة.
ما تفعله Actively وما لا تستطيع Salesforce فعله دون أن تهدم نفسها
ينشر منتج Actively AI وكيلَ ذكاء اصطناعي مخصصاً لكل حساب تجاري. يعمل هذا الوكيل بصورة مستمرة: يبحث في الفرص، ويصوغ المراسلات، ويبني العروض التقديمية، ويُحدد الخطوات المُهملة ويرفعها إلى المندوب البشري. وتتكامل المنصة مع الأنظمة القائمة بما فيها Salesforce نفسها، مما يُزيل الاحتكاك المعتاد الناجم عن عمليات الترحيل القسري.
والأرقام الأولى المُسجَّلة لدى العملاء المبكرين هي الأكثر كشفاً في هذا المقال. فشركة Ramp، منصة إدارة النفقات المالية المُقدَّرة بـ32 مليار دولار، تُنسب إلى Actively عشراتِ ملايين الدولارات من الإيرادات الجديدة خلال العام الماضي، مع صفقات أغلقها وكلاء الذكاء الاصطناعي تجاوزت معدلات تحويل الصفقات التقليدية بنسبة 23%. فضلاً عن ذلك، تُشير شركة Verkada للأمن المادي إلى أن مندوبيها باتوا يُسجّلون نحو 25 اجتماعاً شهرياً للفرد، وهو حجم كان يستلزم سابقاً فريقاً أكبر بكثير.
وما تُجسّده هذه الأرقام ليس مجرد كفاءة عملياتية. إنه إعادة هيكلة جذرية للتكلفة الهامشية للتغطية التجارية. يعمل فريق المبيعات البشري في ظل قيود مادية: ساعات متاحة، وقدرة محدودة على الانتباه المتزامن، وإرهاق متراكم. حين يحصل كل حساب في كون المستهدفين لدى شركة ما على وكيل خاص يعمل على مدار الساعة، يتوقف تكلفة تغطية ذلك الكون عن التوسع بشكل خطي مرتبط بالرواتب. وصياغة الرئيس التنفيذي Mihir Garimella دقيقة في تحديدها: لو كان رأس المال لا نهائياً، لتم تعيين مندوب مبيعات لكل شركة مستهدفة. والوكلاء يجعلون ذلك المستوى من التغطية ممكناً دون أن يكون رأس المال هو عنق الزجاجة.
لماذا مشكلة Salesforce ليست الذكاء الاصطناعي بل هندسة منصتها
يستخدم مؤسسو Actively استعارة "عربة الخيول بلا خيول" لوصف ما يرصدونه في Salesforce. والصورة دقيقة. حين وصلت أولى السيارات إلى الأسواق، عمد صانعو العربات إلى تعديل مركباتهم لاستيعاب محركات الاحتراق الداخلي، غير أنهم أبقوا على هيكل مركباتهم ووزنها وفلسفة تصميمها، وكلها مبنية في الأصل لتُجرّها الحيوانات. وكانت النتيجة جيلاً من المركبات أقل كفاءة وظيفياً مما جاء بعدها.
تواجه Salesforce نسخة مؤسسية من المشكلة ذاتها. فمنصتها للذكاء الاصطناعي، Agentforce، وصلت إلى 800 مليون دولار في الإيرادات السنوية المتكررة وتعمل في أكثر من 23,000 شركة، وفق نتائج الشركة الصادرة في فبراير. بيد أن المنطق الجوهري للنظام لا يزال ذاته الذي وُلد عام 1999: يجب أن يُدخل البشر البيانات لتجد المنصة ما تُحلّله. فالبنية المعمارية لم تُصمَّم كي يُطعِمها وكلاء مستقلون ويُحدّثوها ويعالجوا محتوياتها في الوقت الفعلي. وحين أفاد العملاء بأن النظام يُولّد إجابات خاطئة أو يُعاني في استيعاب البيانات الخارجية داخل منظومة Salesforce، لم يكونوا يصفون إخفاقات في التنفيذ. بل كانوا يصفون الحدود الهيكلية لزرع الذكاء الاصطناعي في نموذج بيانات مبني على افتراض وجود بشر عند كل نقطة إدخال.
وقد ردّ الرئيس التنفيذي لـSalesforce بالتأكيد على أن الشركة لا تواجه "نهاية عصر البرمجيات كخدمة"، وأن الذكاء الاصطناعي سيُعزز مكانتها. والرد متوقع، ويتسق تاريخياً مع الإنكار الأولي الذي يصاحب تحولات المنصات في العادة. المشكلة لا تكمن في عجز Salesforce عن بناء الذكاء الاصطناعي. المشكلة أن بناء الذكاء الاصطناعي الذي يستلزمه هذا الدور الجديد سيستوجب إعادة تصميم الافتراضات الأساسية التي يرتكز عليها عملها الذي يتجاوز 30 مليار دولار سنوياً.
رأس المال الوافد لم يعد يراهن على منتج؛ بل يراهن على تحول حقبة
يستحق ملف المستثمرين الذين يقودون هذه الجولة قراءةً مستقلة. تمتلك TCV سجلاً حافلاً في المراهنة على برمجيات المؤسسات في لحظات الانقلاب لا في لحظات النضج. أما First Harmonic، التي يترأسها Ali Rowghani المدير التنفيذي السابق لعمليات تويتر والمستثمر المبكر في DoorDash وCoinbase، فتبني أطروحة صريحة: الافتراضات الجوهرية لتقنية المبيعات تُعاد كتابتها من جديد، وهذا النوع من كسر المسلّمات يُفضي تاريخياً إلى تفوق من يبني من الصفر انطلاقاً من القواعد الجديدة، لا من يُكيّف ما كان بحوزته سابقاً.
ومسار تمويل Actively يقول هو الآخر شيئاً بالغ الدلالة. جولة بذرية بقيمة 5 ملايين دولار، تلتها جولة من السلسلة أ بقيمة 22.5 مليون دولار بقيادة Bain Capital Ventures، ثم جولة السلسلة ب التي تُضاعف تلك القيمة. هذا المنحنى التصاعدي ليس منحنى شركة تختبر فكرة. إنه منحنى شركة وثّقت牵引اً كافياً لدى عملاء مرجعيين كـRamp وVerkada، وهي الآن تُموّل التوسع.
ما يستوعبه السوق الآن، من خلال هذه الصفقة وغيرها من التحركات المماثلة، هو أن قيمة برمجيات المؤسسات تنتقل من مستودعات البيانات إلى طبقات التنفيذ التي تستخدمها. طوال عقود، تجلّت قوة منصة كـSalesforce في كونها المكان الذي تعيش فيه المعلومات التجارية للشركات. وتلك المركزية للبيانات بوصفها أصلاً استراتيجياً كانت تُفرز حواجز تحوّل تكاد تكون عصيّة على التجاوز. فحين يستطيع وكلاء الذكاء الاصطناعي العمل على مصادر بيانات متعددة في آنٍ واحد، تتآكل تلك الحصرية. قد تظل Salesforce مُدخلاً رئيسياً، لكنها تكفّ بالضرورة عن كونها حَكَم الاستخبارات التجارية.
الخارطة التي يجب على قادة المؤسسات قراءتها الآن
قصة Actively AI ليست قصة شركة ناشئة وجدت مكانة مثيرة للاهتمام داخل سوق إدارة علاقات العملاء. إنها قصة كيف ينهار التكلفة الهامشية للتغطية التجارية نحو مستوى يجعل حجم القوة البشرية ميزةً تنافسية متقادمة في عالم المبيعات.
على مدى عقود، كانت الشركات التي تملك ميزانيات أضخم لتوظيف مندوبين تكتسب حصصاً في السوق بوتيرة تفوق منافسيها الأصغر. كان ذلك الفارق يعمل كحاجز دخول متنكّر في هيئة كفاءة تنفيذية. فحين تستطيع منصة ما تخصيص اهتمام مستقل ومستمر لكل حساب في كون المستهدفين، يتلاشى هذا الحاجز. وما يتبقى هو جودة تدريب الوكيل، وعمق البيانات التاريخية للشركة، وسرعة استجابة الفرق البشرية للإشارات التي يرفعها الذكاء الاصطناعي.
والتداعيات التي تواجه قادة المنظمات التجارية ذات طابع هيكلي عميق. يكف حجم فريق المبيعات عن كونه المؤشر الرئيسي على قدرة التغطية. ويُصبح تصميم أنظمة البيانات وجودة البيانات التاريخية أصولاً استراتيجية من الدرجة الأولى. الشركات التي راكمت عقوداً من التفاعلات التجارية المُنظَّمة جيداً تمتلك ميزة تدريب راسخة. أما تلك التي عملت ببيانات مُجزَّأة أو اتكأت على ذاكرة مندوبيها فلا تمتلك هذه الميزة.
صانعو القرار الذين يواصلون قياس الطموح التجاري لمؤسساتهم بعدد المندوبين الذين يستطيعون توظيفهم يستخدمون خارطة عام 1999 للتنقل في جغرافية تبدّلت تبدلاً لا رجعة فيه.










