سبعة نسب مالية تتنبأ بإفلاس المؤسسات الصغيرة والمتوسطة قبل ثلاث سنوات

سبعة نسب مالية تتنبأ بإفلاس المؤسسات الصغيرة والمتوسطة قبل ثلاث سنوات

ثمة لحظة غريبة في أي قطاع حين تكون الأدلة الكافية لحل مشكلة ما متاحة منذ عقود، لكن لم يُنظّمها أحد على النحو الصحيح. هذا بالضبط ما وثّقته دراسة نُشرت في مجلة Global Business and Economics Review: إذ يمكن توقع إعسار المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الأوروبية قبل ثلاث سنوات كاملة باستخدام سبعة مؤشرات محاسبية معيارية فحسب. حللت الدراسة بيانات أكثر من 24,500 شركة أوروبية على مدى ثماني سنوات، وبلغت دقة النموذج الناتج نحو 82%.

Camila RojasCamila Rojas١٢ يونيو ٢٠٢٦9 دقيقة
مشاركة

سبعة نسب مالية تتنبأ بإفلاس المؤسسات الصغيرة والمتوسطة قبل ثلاث سنوات

ثمة لحظة غريبة تتكرر في كثير من القطاعات، حين تكون الأدلة الكافية لحل مشكلة ما متاحةً منذ عقود، غير أن أحداً لم يتكبّد عناء تنظيمها على النحو الصحيح. وهذا بالضبط ما وثّقته دراسة بحثية نُشرت مؤخراً في مجلة Global Business and Economics Review: أن إعسار المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الأوروبية يمكن توقّعه قبل ثلاث سنوات كاملة باستخدام سبعة مؤشرات محاسبية معيارية فحسب، هي ذاتها المؤشرات التي يحسبها أي محاسب في عمله اليومي، والتي تتلقّاها البنوك منذ عقود دون أن تعرف تحديداً كيف تستثمرها مجتمعةً.

الدراسة، التي أعدّتها سونيا سيلفا، حلّلت بيانات تخصّ أكثر من 24.500 مؤسسة أوروبية على مدى ثمانية أعوام. وقد حقّق النموذج الناتج دقةً إجمالية تبلغ نحو 82%، وأفلح في التعرف الصحيح على أكثر من 70% من حالات الإعسار قبل وقوعها بثلاث سنوات، حين طُبّق على بيانات معروفة النتائج. وليس هذا خوارزمية تعلّم آلي مدرَّبة على ملايين المتغيرات، بل هو نموذج تنبؤي متعدد المتغيرات مبنيٌّ على سبع نسب مالية: نسبة السيولة النقدية، ومساهمة الفوائد المدفوعة، ونسبة الملاءة، والتمويل قصير الأجل، والرافعة المالية، ونسبة الدين إلى الأصول، والعائد على الأصول. سبعة أرقام موجودة أصلاً في الميزانيات العمومية، تصف معاً بأمانة كافية السيولةَ وعبء الدين والمرونةَ المالية وربحيةَ المؤسسة.

لكن السؤال الذي يتركه هذا الاكتشاف على الطاولة ليس تقنياً، بل هو هيكليٌّ بامتياز: إن كانت البيانات متوفرة والنماذج تعمل، فما الذي حال دون حدوث هذا منذ زمن بعيد؟

الفجوة التي أبقتها الأوساط الأكاديمية مفتوحة وقتاً طويلاً جداً

للتنبؤ بإفلاس الشركات تاريخ أكاديمي عريق. فالنماذج الكلاسيكية التي صِيغت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي صُمِّمت للشركات الكبرى المدرجة في البورصة، التي تتمتع بإمكانية الوصول إلى تقييمات السوق وبيانات الرسملة البورصية وهياكل مالية شفافة بما يكفي لتغذية نماذج إحصائية رصينة. أما المؤسسات الصغيرة والمتوسطة فقد ظلّت خارج هذا الإطار، لا إهمالاً، بل لأن التمويل المؤسسي التقليدي رأى فيها فئةً شديدة الغموض، بالغة التباين، وفي أحيان كثيرة صغيرة جداً لتستحق الجهد التحليلي المطلوب.

والمشكلة في هذا المنطق أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ليست فئة هامشية على الإطلاق. فهي تمثّل الغالبية العظمى من الشركات في اقتصادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ونحو ثلثي فرص العمل في تلك البلدان. وخطر إعسار المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ليس مجرد مسألة اقتصاد جزئي يمكن إدارتها على المستوى الفردي، بل هو متغيّر ذو تداعيات مباشرة على المنظومة المصرفية وسوق العمل والاستقرار المالي للحكومات التي تدير برامج ضمان الائتمان أو دعم التوظيف.

ما تفعله دراسة سيلفا هو ردم تلك الفجوة بمجموعة بيانات واسعة بما يكفي لجعل النموذج متيناً إحصائياً، ومركّزة على نسب يسهل الوصول إليها بما يكفل إمكانية تكراره دون الحاجة إلى بنية تحتية استثنائية. والاكتشاف الأكثر إثارةً ليس أن النموذج يعمل بدقة 82%، بل أن هذا المستوى من الدقة يُبلَغ قبل ثلاث سنوات من وقوع حدث الإعسار، وهو أفق زمني يغيّر منطق التدخل كلياً.

ثلاث سنوات تكفي لإعادة التفاوض على شروط الائتمان. وتكفي لأن يضبط المُقرض الضمانات أو يعدّل الشروط الاتفاقية أو يكثّف مراقبة محفظة بعينها. وتكفي لأن يتخذ مالك مؤسسة صغيرة أو متوسطة قرارات إعادة هيكلة قبل أن يصبح الوضع لا رجعة منه. وما يميّز هذا النموذج عن أنظمة الإنذار المبكر الموجودة في كثير من البنوك الأوروبية هو تحديداً ذلك الأفق الممتد المقترن بتقشف الأداة: سبع نسب لا مئات المتغيرات.

ما تكشفه النسب السبع عن تشريح الإفلاس

إن النظر إلى المؤشرات السبعة باعتبارها كتلة واحدة، لا متغيرات معزولة، يُنتج تشخيصاً أكثر إثارةً مما يتيحه أيٌّ منها منفرداً. فالاختيار ليس اعتباطياً: كل نسبة تلتقط بُعداً مختلفاً من أبعاد المخاطر، وتبني معاً صورةً ثلاثية الأبعاد للمؤسسة.

نسبة السيولة النقدية والتمويل قصير الأجل يصفان السيولة الآنية وأسلوب المؤسسة في إدارة التزاماتها الأكثر إلحاحاً. فمؤسسة ما قد تكون رابحة على الورق وتختنق في الوقت ذاته لشح السيولة المتاحة. وليس هذا مفارقةً نادرة في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بل هو أحد آليات الإفلاس الأكثر شيوعاً، لا سيما في الأعمال التي تتسم بدورات تحصيل طويلة وموردين يطالبون بالسداد السريع.

نسبة الملاءة والرافعة المالية ونسبة الدين إلى الأصول تلتقط هيكل رأس المال والقدرة على استيعاب الخسائر دون الانهيار. فالمؤسسة عالية الرفع قد تصمد ما دامت التدفقات النقدية مستقرة، لكن هامش تحمّلها أمام تراجع الإيرادات يبقى ضيقاً للغاية. وهذه النسب الثلاث مجتمعةً تصف كمية الأكسجين المتبقية للمؤسسة قبل أن يصبح الدين غير قابل للاستدامة.

مساهمة الفوائد المدفوعة تُضيف بُعداً تشغيلياً: فهي تقيس ما إذا كان النشاط التجاري يولّد هامش مساهمة كافياً لتغطية تكلفته التمويلية. فالمؤسسة التي لا تستطيع تغطية فوائدها من هامشها التشغيلي تستهلك حقوق ملكيتها أو تلجأ إلى مزيد من الائتمان للبقاء نشطةً، وهذه إشارة تدهور هيكلي قد تظل خفيةً طوال عدة أرباع متتالية إن اقتصر المحللون على النظر في صافي الربح وحده.

العائد على الأصول يُغلق النموذج بقياس كفاءة تحويل المؤسسة لأصولها إلى نتائج. فالانخفاض المستمر في هذا المؤشر، مضافاً إلى تصاعد الرفع المالي وتراجع السيولة، يُنتج النمط الذي يتعلم النموذج التعرف عليه بوصفه طليعةً للإعسار.

والأمر اللافت من منظور القيمة المقترحة أن أياً من هذه النسب السبع لا يستلزم معلومات غير متوفرة أصلاً في القوائم المالية الأساسية للمؤسسة. لا حاجة إلى بيانات السوق ولا إلى تقييمات خارجية ولا إلى توقعات الإدارة. النموذج يعمل بما هو موجود بالفعل، وهذا له انعكاسات مباشرة على هوية من يستطيع تبنّيه وبأي كلفة.

الاختناق الذي لا يستطيع النموذج حلّه وحده

تشير الدراسة ذاتها إلى قيد يستحق اهتماماً مستقلاً: إن النموذج سيتحسن بمزيد من الإفصاح المالي من جانب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، غير أن المؤلفين يرون أن ذلك "مستبعد للغاية نظراً لطبيعة الشركات الأصغر حجماً". وتلك العبارة تختزل توتراً ليس جديداً، لكن هذا الاكتشاف يعيد طرحه على الطاولة بإلحاح أكبر من ذي قبل.

للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة حوافز هيكلية للإبقاء على غموض بياناتها المالية. ومن هذا الغموض ما هو دفاعيٌّ بطبيعته: فمشاركة معلومات تفصيلية مع المُقرضين أو السوق قد يُضعف القوة التفاوضية لصاحب المؤسسة، ويكشف نقاط ضعف تنافسية، أو يُفضي ببساطة إلى عبء إداري لا تملك مؤسسة صغيرة طاقة التعامل معه. والنتيجة سوق تعمل فيها أدوات التنبؤ بكفاءة أعلى بالضبط في الحالات التي تكون فيها المعلومات أوفر، وهي في الغالب الشركات الأقل احتياجاً لها.

لهذا الاختلال تداعيات مباشرة على المُقرضين. فالبنوك ومؤسسات التمويل الأصغر التي تعمل في قطاعات المؤسسات الصغيرة جداً، لا المتوسطة الموثّقة جيداً، بل الصغرى والمتناهية الصغر ذات المحاسبة المبسّطة، لا تحصل إلا على جزء يسير من المعلومات التي يحتاجها النموذج ليعمل بمستوى الدقة الموثّق. وفي مثل هذه الحالات، قد يظل النموذج مفيداً كمرجع للمخاطر النسبية، لكن قدرته التنبؤية تتدهور بصورة متناسبة مع جودة البيانات المتاحة.

وبالنسبة لبرامج ضمان الائتمان الحكومية، يختلف التحدي لكنه لا يقل ملموسيةً. كثير من تلك البرامج يعمل تحت ضغط سياسي يدفعه نحو تعظيم وصول المؤسسات إلى الائتمان، مما يعني عملياً تمويل مؤسسات ذات ملفات مخاطر كان المصرف الخاص سيرفضها. ونموذج بالدقة التي وثّقتها سيلفا يمكن توظيفه للتمييز بشكل أفضل بين مؤسسات قابلة للاستمرار تعاني مشكلات سيولة وقتية ومؤسسات تعاني تدهوراً هيكلياً لا رجعة فيه، مما سيُحسّن كفاءة الإنفاق العام. بيد أن هذا يستلزم أن تُبلّغ الشركات المستفيدة بمستوى التفصيل الذي يحتاجه النموذج، وهو متطلب يصطدم مباشرةً بمنطق التبسيط الذي يُبرّر تلك البرامج في الأصل.

البيانات التي ينبغي للبنوك الأوروبية أن تحسبها بالفعل

تصل هذه الدراسة في لحظة يُضخّم فيها السياق الاقتصادي الكلي الأوروبي أهميتها. فقد وثّقت دراسات سابقة حول تأثير جائحة كوفيد-19 على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الأوروبية ارتفاعاً في مخاطر الإعسار بنسبة نحو 21% خلال تلك الفترة، مقاساً وفق انخفاضات في الربحية والمبيعات ورأس المال العامل. وهي بالضبط المتغيرات ذاتها التي يحددها نموذج سيلفا بوصفها عوامل تنبؤ محورية.

وبالنسبة للبنوك التي تحتفظ بمحافظ ائتمانية ضخمة موجهة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، فإن الحجة الاقتصادية لتبنّي إطار مراقبة مبني على هذه النسب السبع حجة مباشرة. فقد وثّق صندوق النقد الدولي أن التدهور الواسع لهذه المؤسسات قادر على تقليص نسب رأس المال من الشريحة الأولى للأنظمة المصرفية بما يصل إلى نقطتين مئويتين في البلدان الأشد تعرضاً. وهذا ليس مخاطرة مجردة: فهو متغيّر يرصده المنظمون الأوروبيون باهتمام متصاعد منذ عام 2020، وينبغي لفرق إدارة المخاطر في أي بنك لديه محفظة معتبرة من قروض هذه المؤسسات أن يقيسوه بصفة منتظمة.

ولا يستلزم التطبيق الفعلي للنموذج في أنظمة الرصد المصرفي استثمارات تقنية ضخمة. ما يتطلبه هو انضباط في جمع القوائم المالية الدورية من المدينين، وتوحيد في حساب النسب السبع، وعملية واضحة للتنبيهات الداخلية حين تتجاوز مؤسسة ما عتبات المخاطر في عدة مؤشرات متزامنة. وهذه معضلة إجراءات أكثر منها معضلة تقنية، مما يخفض جوهرياً حاجز التطبيق أمام المؤسسات المتوسطة التي ليس في ميزانيتها مجال لنماذج تعلم آلي خاصة.

ما يجعل نموذج سيلفا مفيداً بشكل خاص في هذا السياق ليس دقته وحسب، بل قابليته للتفسير. فنموذج السبع نسب قابل للتدقيق والمراجعة. يستطيع محلل ائتمان أن يشرح لجنة مخاطر سبب إطلاق مؤسسة معينة لتنبيه ما: "تراجعت نسبة السيولة النقدية 40% على مدى دورتين محاسبيتين متتاليتين، فيما ارتفع الرفع المالي بـ15 نقطة مئوية وتحوّل العائد على الأصول إلى سالب". هذا تشخيص يستدعي الفعل. في المقابل، نموذج صندوق أسود بمئتي متغير قد يتمتع بدقة إحصائية أعلى، لكنه يُفضي إلى محادثات أعسر في المستويات التي تُتّخذ فيها قرارات الائتمان الحقيقية.

الإشارة التي لم يكن أحد يقرأها مجتمعةً

الإسهام الأبقى أثراً لهذا العمل لا يكمن في النموذج ذاته. يكمن في إثبات أن المعلومات الكافية لتوقع إفلاس مؤسسة صغيرة أو متوسطة كانت متوفرة أصلاً، وأنها كانت ماثلة في الميزانيات التي تتلقاها البنوك بصفة دورية، وأن ما كان ناقصاً هو البنية التحليلية لقراءتها مجتمعةً بما يكفي من المسبقية الزمنية.

هذا يصف نمطاً يتكرر في أسواق عديدة حيث البيانات موجودة لكنها مجزأة أو مُسيء تفسيرها: الحل لا يأتي بمعلومات جديدة، بل بإعادة تنظيم المعلومات القائمة على نحو يجعل شيئاً كان موجوداً دائماً مرئياً. وفي هذه الحالة، إعادة التنظيم موثّقة إحصائياً وقابلة للتكرار وذات تقشف كافٍ ليتمكن من اعتمادها أي مؤسسة مالية لديها صلاحية الوصول إلى ميزانيات عمومية أساسية دون بنية تحتية استثنائية.

تمثّل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الجزء الأكبر من النسيج المؤسسي للاقتصادات المتقدمة وحصةً غير متناسبة من مخاطر الائتمان غير المُدارة. ونموذج قادر على توقع أكثر من 70% من حالات إعسارها بهامش ثلاث سنوات، مستعيناً بسبع نسب معيارية فحسب، ليس فضولاً أكاديمياً. بل هو أداة ذات تداعيات تشغيلية ملموسة للمُقرضين والمنظمين وأصحاب المؤسسات الذين يُؤثرون التدخل المبكر على إدارة الأزمة حين تقع. وحدود فائدة هذه الأداة لا تكمن في دقتها، بل تكمن في جودة البيانات واتساقها التي تكون المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على استعداد للإفصاح عنها، وذلك يتوقف على حوافز لا يملك النموذج وحده تغييرها.

مشاركة

قد يعجبك أيضاً