الاستثمار في مستقبل الابتكار الدوائي: المراكز الطبية الأكاديمية الأمريكية في مواجهة نموذج عالمي جديد
لأكثر من نصف قرن، عملت المراكز الطبية الأكاديمية الكبرى في الولايات المتحدة بوصفها البنية التحتية الخفية التي تقف وراء كل دواء يُنقذ الأرواح اليوم. فأكثر من نصف براءات الاختراع التي تدعم الأدوية المعتمدة من قِبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) نشأت في رحاب البحث العلمي الذي أجرته هذه المؤسسات. فالستاتينات وُلدت من اكتشافات تتعلق بأيض الكوليسترول في جامعة UT Southwestern. وأولى العلاجات الأورامية الموجَّهة ظهرت من أبحاث إشارات الخلية الموزعة عبر جامعات متعددة. وأُرسيت الأسس العلمية للقاحات الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA) ضد كوفيد-19 في جامعة بنسلفانيا. وهذا ليس سجلاً عابراً أو هامشياً؛ بل هو المعمارية الكاملة للطب المعاصر.
ومع ذلك، بات هذا النموذج يُتجاوَز في السرعة والحجم والجاذبية التجارية على يد منافس لم يكن يظهر بالكاد على الخريطة قبل عقد من الزمن.
لقد ضاعفت الصين برامجها للتطوير الصيدلاني بنسبة 641% خلال العقد الأخير. واعتمدت أكثر من ألف مركز جديد للتجارب السريرية. وتجاربها متعددة المناطق، التي مثّلت 13% من إجمالي تجارب الأدوية الابتكارية الصينية عام 2024، مصمَّمة للحصول على اعتمادات متزامنة في أسواق متعددة. والرقم الذي ينبغي أن يُقلق أي مدير مالي في صناعة الأدوية العالمية هو: أن الصين استأثرت في عام 2025 بأكثر من ثلث صفقات الترخيص الكبرى، في ارتفاع يبلغ ثلاثة عشر ضعفاً خلال ثلاث سنوات فحسب. وباتت شركات الأدوية تتوجه إلى بكين بالتكرار ذاته الذي تتوجه به إلى بوسطن، لأن التجارب السريرية الصينية أرخص بنسبة 40% وأسرع بنسبة 50%، مع قدرة أعلى على تجنيد المرضى.
هذه ليست مشكلة صورة ذهنية تواجه المراكز الطبية الأكاديمية الأمريكية. إنها مشكلة نموذج أعمال.
حين تتحول التبعية للتمويل العام إلى ثغرة هيكلية
يقوم النموذج التقليدي للمراكز الطبية الأكاديمية على ثلاثة ركائز: التعليم الطبي، والبحث العلمي، ورعاية المرضى. وعلى مدى عقود، تموّل هذه المحاور الثلاثة بعضها البعض في توازن مستقر إلى حد معقول: إذ كانت هوامش الرعاية السريرية تُدعم البحث العلمي، وكانت الأموال العامة المقدَّمة من المعاهد الوطنية للصحة (NIH) تُموّل المشاريع طويلة الأجل، وكانت التحالفات مع صناعة الأدوية تُكمل التمويل في مراحل التطوير السريري المتقدمة.
غير أن هذا التوازن بات يتعرض لضغوط متزامنة من اتجاهات متعددة. إذ تتآكل إلغاءات الدعم، والتباطؤ في تخصيص أموال المعاهد الوطنية للصحة، والحدود المفروضة على استرداد التكاليف غير المباشرة، أحد المصادر التاريخية للتمويل. وتتقلص هوامش الرعاية الطبية التي كانت دائماً تُشكّل الوسادة الصامتة التي تتيح صون المختبرات وتوظيف الباحثين. وصناعة الأدوية، التي اعتادت أن تنظر بصورة حصرية تقريباً إلى بوسطن أو سان فرانسيسكو لإقامة شراكات التطوير السريري، باتت تمتلك اليوم بديلاً أرخص وأسرع في آسيا.
والنتيجة هي ما يسميه منظّرو الاستراتيجية بـ"معضلة المبتكر"، وإن كان التهديد هنا لا يأتي من تقنية مُخِلّة، بل من نموذج تشغيلي أكثر كفاءة. لقد بنت المراكز الطبية الأكاديمية ريادتها على العمق العلمي وصرامة العملية. وبنت الصين ميزتها على سرعة التنفيذ وحجم التجارب. وكلا الأسلوبين يُعدّ طريقة مشروعة لخلق القيمة، لكن في سوق الأدوية العالمية، حيث عمر براءة الاختراع محدود وتُقاس تكلفة كل سنة تطوير بمئات الملايين من الدولارات، فإن للسرعة قيمة اقتصادية لا يستطيع العمق وحده أن يُعوّضها.
ما يجعل هذا الوضع بالغ التعقيد من منظور المعمارية المؤسسية هو أن المراكز الطبية الأكاديمية لا تستطيع ببساطة استنساخ النموذج الصيني. فمهامها مختلفة، وهياكل حوكمتها مختلفة، واعتمادها التاريخي على التمويل العام يضعها في موقف مغاير. بيد أن ذلك لا يعني أنها عاجزة عن التغيير؛ بل يعني أن التغيير يجب أن يكون أكثر ذكاءً وأعمق تفكيراً.
الرهانات التي يضعها بعضهم بالفعل
بعض المؤسسات لا تنتظر أن تحلّ واشنطن الاختناقات التنظيمية. بل تجرّب هياكلها الخاصة.
مُصمَّم مُسرِّع الأدوية الابتكارية في جامعة ستانفورد كوحدة داخلية تعمل وفق منطق محافظ الأدوية الصيدلانية، لا وفق المنطق الأكاديمي. ويضمّ أكثر من 20 مرشحاً علاجياً نشطاً، ويُعطي الأولوية صراحةً للمشاريع التي تمتلك إمكانية أن تكون الأولى في فئتها، ويجمع بين الخبرة السريرية والتنظيمية الداخلية والقدرة على التواصل مع شركاء خارجيين. والفارق بين هذا النهج ومكتب نقل التكنولوجيا التقليدي فارق جوهري: فبدلاً من منح تراخيص الاكتشافات وانتظار قيام الصناعة بتطويرها، تُشارك المؤسسة بصورة فاعلة في عملية التطوير ذاتها. وهذا يُغيّر معادلة التقاط القيمة تغييراً ذا أثر بالغ.
أطلقت كلية إيكان للطب في جبل سيناء مركزاً لاكتشاف الجزيئات الصغيرة يدمج الذكاء الاصطناعي التوليدي مع الكيمياء الدوائية التقليدية. وأقامت مستشفى ميموريال سلون كيترينج شراكات مع أكثر من عشر شركات متخصصة في التطوير الدوائي بمساعدة الذكاء الاصطناعي، تشمل منصات تتيح محاكاة آلاف التفاعلات بين الدواء والهدف، وأدوات تربط المرضى بالتجارب السريرية في الوقت الفعلي. وتعكف جامعة بيرديو على تطوير مختبرات مستقلة قادرة على تنفيذ التجارب بصفة متواصلة، على مدار أربع وعشرين ساعة، بمعدلات خطأ منخفضة وتسجيل بيانات فوري.
كل واحدة من هذه المبادرات تهاجم جزءاً مختلفاً من المشكلة. فستانفورد تُعالج الفجوة بين الاكتشاف والتطوير السريري. وماونت سيناي وسلون كيترينج تُعالجان سرعة وتكلفة التصميم الجزيئي. وبيرديو تُعالج إنتاجية المختبر. غير أن ما لم تتمكن أي مؤسسة من تحقيقه بعد، كما يُقرّ مؤلفو التحليل المنشور في مجلة هارفارد بيزنس ريفيو أنفسهم، هو دمج جميع هذه العناصر في نموذج متماسك ومتكامل.
وهذه الفجوة في التكامل ليست تفصيلاً هامشياً. ففي صناعة الأدوية، حيث تتجاوز التكلفة المتوسطة للدواء الواحد المعتمد حاجز 2.5 مليار دولار، وتفشل أكثر من 90% من البرامج قبل بلوغها السوق، فإن التشرذم المؤسسي يُفضي إلى تكلفة مباشرة قابلة للقياس. وكل مرحلة تعمل في معزل عن سواها هي مرحلة تضيع فيها المشاريع أو تتأخر أو تُقدَّر بأقل من قيمتها الحقيقية.
المال بوصفه وقوداً لا وجهةً
ثمة توتر لا يستطيع أي تحليل لهذا القطاع أن يتجاهله: فالمراكز الطبية الأكاديمية تحمل مهمة تتخطى الربحية، لكن هذه المهمة لا تنجو إلا إذا ظل النموذج الذي يدعمها قابلاً للاستمرار مالياً. والتبرعات الخيرية تسدّ فجوات محددة. والأموال العامة تموّل مراحل بعينها. لكن لا أيٍّ من هذين المصدرين وحده، يستطيع أن يُوازن السرعة والحجم اللذين تتطلبهما المنافسة على الصعيد العالمي في مجال التطوير الدوائي.
لا تتمثل الإجابة في التخلي عن المهمة العامة لهذه المؤسسات، بل في بناء نماذج تولّد إيراداتها الخاصة بدلاً من الاعتماد المزمن على دعم قد يتبخر مع كل تغيير في الإدارة. وإن المراكز الطبية الأكاديمية التي تستثمر في محافظ من المرشحين العلاجيين وفق معايير انتقاء صارمة، إنما تتعلم في جوهر الأمر أن تفكّر كصناديق رأس المال المخاطر، دون أن تكفّ عن كونها جامعات.









