الهند تحرق المزيد من الفحم في حين تعد بالطاقة النظيفة
اعتاد العالم على التناقضات التي تقدّمها القوى الكبرى الصاعدة، غير أن التناقض الذي تجسّده الهند يستحق اهتماماً تنفيذياً خاصاً. تمتلك الهند أحد أكثر برامج الطاقة المتجددة طموحاً على وجه الأرض: 500 غيغاواط من الطاقة غير الأحفورية بحلول عام 2030، فيما تتجاوز مصادر الطاقة المتجددة فعلياً 50% من إجمالي الطاقة المركّبة. وفي الوقت ذاته، يُولّد الفحم نحو 75% من الكهرباء التي يستهلكها 1.4 مليار نسمة. بالنسبة لأي نموذج ذهني ثنائي، يبدو هذا تناقضاً صارخاً. أما لمن يفهم الديناميكيات الحقيقية لمراحل التحول في اقتصادات الأسواق الناشئة، فهو قرار إدارة مخاطر رشيد تماماً.
تُسمّيه مورغان ستانلي "إعادة معايرة متعمّدة". أما أنا فأسمّيه شيئاً أدق من ذلك: التكلفة الحقيقية لتوسيع نطاق الطاقة الخضراء دون حلّ إشكالية التقطع. وتُدفَع تلك التكلفة حالياً بأطنان الفحم.
الفحم بوصفه أصلاً احتياطياً لا أيديولوجيا
تستورد الهند ما يقارب 85% من نفطها الخام وحوالي 50% من غازها الطبيعي. وحين تهزّ حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط أسواق الوقود، لا تستطيع الهند ببساطة التحوّل إلى مصدر آخر للطاقة القابلة للإرسال. في المقابل، يُنتَج الفحم محلياً، وقد تجاوز إنتاجه 1,047 مليون طن في السنة المالية 2024-2025، بنمو بلغ 4.98% على أساس سنوي. وتبلغ الاحتياطيات الاستراتيجية نحو 210 ملايين طن، أي ما يعادل قرابة 90 يوماً من الاستهلاك.
هذا ليس اعتماداً أعمى على الفحم. بل هو بنية أمن طاقوي مُشيَّدة على مصدر الطاقة الوحيد الذي تستطيع الهند التحكم فيه دون الاعتماد على مسارات بحرية، أو عقود دولية، أو تقلبات جيوسياسية. المنطق ذاته الذي يتبعه أي مدير مالي يحتفظ بالسيولة حتى حين يكون رأس المال مُجمَّداً: لا يتعلق الأمر بتفضيل الأصل الأقل ربحية، بل بامتلاك القدرة على الاستجابة في مواجهة السيناريوهات القصوى.
المشكلة التشغيلية التي لا يُحلّها أحد بمجرد الاستشهاد بنسب التركيب المتجدد هي التالية: الطاقة المركّبة لا تساوي الطاقة المُولَّدة. قد تمتلك الهند 50% من طاقتها المركّبة من مصادر غير أحفورية، لكن إذا لم تُنتج الشمس طاقة في الليل ولم تهبّ الريح في موسم الرياح الموسمية، فإن المنظومة تحتاج إلى طاقة احتياطية قابلة للإرسال. واليوم، ذلك الاحتياط هو الفحم. لم تعد المحطات الحرارية تعمل أساساً للتوليد فحسب، بل باتت أصولاً مرنة تُفعَّل في ذروة المساء حين تنخفض الطاقة الشمسية بحدة. وقد تجاوز الطلب الأقصى 256 غيغاواط خلال موجة حر حديثة، في رقم قياسي تاريخي. ولولا الفحم، لكان تغطية تلك الذروة أمراً مستحيلاً.
الهوة التي تفصل الطاقة المركّبة عن التحول الحقيقي
رواية "المتجددات تجاوزت 50% من الطاقة المركّبة" دقيقة تقنياً وقاصرة استراتيجياً. في نموذج الـ6Ds للاضطراب الأسّي، تمرّ الهند بمرحلة يتجاهلها معظم المحللين: مرحلة خيبة الأمل، تلك الحقبة التي تنمو فيها التكنولوجيا بصورة أسية على الورق دون أن تُزيح البنية التحتية السائدة، لأن الأنظمة المساعدة ليست مُهيَّأة بعد.
المشكلة ليست في التوليد الشمسي أو الريحي في حد ذاته. المشكلة أن شبكة النقل، وتخزين الطاقة في البطاريات، ورقمنة إدارة الشبكة لم تنمُ بالوتيرة ذاتها. ثمة اختناقات جسدية تُسبّب ظاهرة التخفيض القسري، أي طاقة متجددة مُولَّدة لا تصل إلى المستهلك لأن البنية التحتية عاجزة عن نقلها. وما دامت تلك الاختناقات قائمة، سيبقى الفحم ضمانة المنظومة، بصرف النظر عن عدد الألواح الشمسية المُركَّبة.
تتوقع مورغان ستانلي 800 مليار دولار من الاستثمارات التراكمية خلال السنوات الخمس المقبلة، مع تصاعد معدل الاستثمار إلى 37.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030. وسيتوجه نحو 60% من هذا الرأسمال نحو التحول في الطاقة، والدفاع، والبنية التحتية الرقمية، في حين يحتاج قطاع الكهرباء وحده إلى ما يقارب 300 مليار دولار حتى عام 2031. هذه أرقام تُشير إلى أن فجوة البنية التحتية تُعالَج بجدية، لكنها تكشف أيضاً أن التحول يستلزم وقتاً ورأسمالاً لم يُضَخّ بعد. لا يختفي الفحم بمرسوم: يختفي حين يتمكن التخزين، والنقل، والإدارة الرقمية للشبكة من ضمان مستوى الموثوقية ذاته الذي توفره اليوم المحطة الحرارية.
الطاقة النووية بوصفها إشارة إلى الخطة الحقيقية على المدى البعيد
ثمة قطعة في هذا الأحجية يميل الإعلام المتناول للفحم والطاقة المتجددة إلى إغفالها: العودة الهادئة للطاقة النووية. تمثّل اليوم أقل من 2% من الطاقة المركّبة في الهند، لكن الحكومة تسعى إلى رفع هذا الرقم إلى أكثر من 22 غيغاواط بحلول مطلع ثلاثينيات هذا القرن، مع التركيز على المفاعلات النمطية الصغيرة القادرة على الاندماج في شبكات ذات اختراق متجدد مرتفع.
تتكئ هذه الرهانة على منطق لا يستطيع أي مورد طاقوي آخر مجاراته: توليد ثابت، منخفض الكربون، بمعزل عن أسعار الوقود الدولية، وبكثافة طاقة لا تبلغها المتجددات. فبالنسبة لمراكز البيانات، وتكهرب المركبات، والتصنيع الذي تنتظره الهند في المستقبل، توفر الطاقة النووية تحديداً ما يوفره الفحم اليوم، لكن من دون الانبعاثات. ويكشف القرار الاستراتيجي بالرهان على النووي، في ظل توسيع المتجددات والإبقاء على الفحم احتياطاً على المدى القصير، عن خطة متعددة الطبقات لا تمتلك حكومات كثيرة الانضباط اللازم لتنفيذها.
لن تدوم مرحلة خيبة الأمل في مسيرة التحول الطاقوي الهندي إلى الأبد. جاء أول تراجع مسجّل في توليد الفحم منذ 52 عاماً في 2025، مدفوعاً بنسبة 44% من توسع الطاقة النظيفة. وتقترب تعريفات المحطات الجديدة التي تعمل بالفحم من 6 روبيات لكل كيلوواط-ساعة (نحو 68 دولاراً لكل ميغاواط-ساعة)، وهو عتبة باتت تجعلها غير مُبرَّرة اقتصادياً في مواجهة المتجددات مقرونةً بالتخزين. سيظل الفحم مرساة المنظومة طوال مرحلة بناء شبكة البنية التحتية، غير أن وظيفته بوصفه أصلاً احتياطياً تحمل تاريخ انتهاء صلاحية منقوشاً في اقتصادياته ذاتها. لا يأتي الاضطراب حين يتغير الخطاب؛ بل يأتي حين تجعل التكلفة الهامشية للبديل المنافسَ القديمَ عاجزاً. والهند تُدير هذا التحول بتعمّد ودراية، لا بشلل وتردد.









